تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 780

مساهمون:

ص٧٨٠
بينك وبينه . فهذه وظيفة القلب في أعمال الحج ، فإذا فرغ منها كلها فينبغي أن يلزم قلبه الحزن والهم والخوف ، وأنه ليس يدري أقبل منه حجه وأثبت في زمرة المحبوبين أم ردّ حجه وألحق بالمطرودين ، وليتعرف ذلك من قلبه وأعماله فإن صادف قلبه قد ازداد تجافيا عن دار الغرور وانصرافا إلى دار الانس باللّه تعالى ، ووجد أعماله قد اتزنت بميزان الشرع فليثق بالقبول ، فإن اللّه تعالى لا يقبل إلا من أحبه ومن أحبه تولاه وأظهر عليه آثار محبته وكف عنه سطوة عدوّه إبليس لعنه اللّه ، فإذا ظهر ذلك عليه دل على القبول وإن كان الأمر بخلافه فيوشك أن يكون حظه من سفره العناء والتعب . نعوذ باللّه سبحانه وتعالى من ذلك .
شرح
اللّه عز وجل ان لا يفرق في ) يوم ( القيامة بينك وبينه ) ، فإن الدعاء عند المنبر مستجاب . ( فهذه وظيفة القلب في أعمال الحج ، فإذا فرغ منها كلها ) ويسر اللّه له ذلك ( فينبغي أن يلزم ) لسانه الحمد والشكر على هذه النعمة التي لا مزيد عليها ويلزم ( قلبه الهم والحزن والخوف ، فإنه ليس يدري أقبل منه حجه وأثبت في زمرة المحبوبين ) المقربين ( أم ردّ حجه ) عليه ، ( وألحق بالمطرودين ) عن الحضرة الإلهية ؟ وهل لذلك علامة يتميز بها المقبول من المردود ؟ أشار المصنف إلى ذلك بقوله : ( وليعرف ذلك من قلبه وأعماله ) فإن كلا منهما أوّل دليل على حضور مرتبة التمييز ، ( فإن صادف قلبه قد ازداد تجافيا ) وبعدا ( عن دار الغرور ) وهي الدنيا فإنها تغر بأهلها فتوقعهم في المهالك ( وانصرافا إلى دار الانس باللّه عز وجل ) وهي الدار الآخرة فإنها هي الحيوان ، ( ووجد أعماله قد اتزنت بميزان الشرع ) أي يكون صدورها في الاعتدال الشرعي ، ( فليثق بالقبول فإن اللّه تعالى لا يقبل إلا من أحبه ومن أحبه تولاه وأظهر عليه آثار محبته ) وتلك الآثار هي العلامات الدالة على توليه إياه ، ( وكف عنه سطوة عدوّه إبليس ) إذ ولاية اللّه له هي الحصن المانع من كبوده ، وهذا هو المعبر عنه بالحفظ فهو لأوليائه كالعصمة لأنبيائه . قال الشيخ الأكبر قدس سره : أخبرني بعض الأولياء من أهل اللّه أن بعض الشيوخ رأى إبليس فقال له : كيف حالك مع الشيخ أبي مدين ؟ فقال : ما شبهت نفسي فيما نلقي إليه في قلبه إلا كشخص وقف على شاطىء البحر المحيط فبال فيه ، فقيل : لم تبول فيه ؟ قال : حتى أنجسه فلا تقع به الطهارة . فهل رأيتم أسخف من هذا الشخص ؟ كذلك أنا وقلب أبي مدين فما ألقيت عليه أمرا إلا قلب عينه . ( فإذا ظهر ذلك عليه دل على القبول وإن كان الأمر بخلافه فيوشك أن يكون حظه من سفره العناء والتعب ) لا غير ، ( نعوذ باللّه من ذلك ) .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 780 | مرتضى الزبيدي