تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 773

مساهمون:

ص٧٧٣
أن الشيطان عرض له وشاهده فلذلك رماه ، وأما أنا فليس يعرض لي الشيطان ؟ فاعلم أن هذا الخاطر من الشيطان وأنه الذي ألقاه في قلبك ليفتر عزمك في الرمي ويخيل إليك أنه فعل لا فائدة فيه ، وأنه يضاهي اللعب فلم تشتغل به ؟ فاطرده عن نفسك بالجد والتشمير في الرمي فيه برغم أنف الشيطان . واعلم أنك في الظاهر ترمي الحصى إلى العقبة وفي الحقيقة ترمي به وجه الشيطان وتقصم به ظهره إذ لا يحصل إرغام أنفه إلا بامتثالك أمر اللّه سبحانه وتعالى تعظيما له بمجرد الأمر من غير حظ للنفس والعقل فيه .
شرح
( فإن خطر لك أن الشيطان عرض له وشاهده فلذلك رماه ، وأما أنا فليس يعرض لي الشيطان فاعلم أن هذا الخاطر ) الذي خطر لك هو ( من الشيطان ، وأنه الذي ألقاه في قلبك ليفتر عزمك في الرمي ) ويدخل عليك بالوسواس والتردد ، ( ويخيل إليك أنه فعل لا فائدة فيه ، وأنه يضاهي اللعب ) ويشبهه ( فلم تشتغل به ) . فإذا أحسست من نفسك هذا ( فاطرده عن نفسك بالجد والتشمير في الرمي ، فبذلك ترغم أنف الشيطان ) . ولهذه الملاحظة شرع فيه من الدعاء رغما للشيطان كما تقدم في الأدعية . ( واعلم أنك في الظاهر ترمي الحصى إلى العقبة ، وفي الحقيقة ترمي به وجه الشيطان وتقصم به ظهره ) وتخيب به أمله . ( إذ لا يحصل ارغام أنفه ) وقصم ظهره وخيبة أمله ( إلا بامتثالك أمر اللّه سبحانه تعظيما له بمجرد الأمر من غير حظ النفس والعقل فيه ) . ثم اعلم أن هذا الذي ذكره المصنف أوّلا وثانيا أن رمي الجمار أمر نعبدي ، والعقل والنفس معزولان فيه كغالب أعمال الحج هو الذي صرح به العارفون في كتبهم ، وربما يفهم منه أنه غير معقول المعنى وليس إلا التعبد والتشبه فقط وهو ليس على ظاهره ، فإن في رمي الجمار اعتبارا لأهله في سياقه غموض ودقة ، وإنما أورده على الاجمال . فاعلم أن الجمرات الجماعات وكل جمرة جماعة أية جماعة كانت ، ومنه الاستجمار في الطهارة ، ويستحب أن يكون وترا من ثلاث فصاعدا وأكثره سبعة في العبادة لا في اللسان ، فإن الجمرة الواحدة سبع حصيات ، وكذلك الجمرات الزمانية التي تدل على خروج فصل شدة البرد كل جمرة في شباط سبعة أيام وهي ثلاث جمرات متصلة كل جمرة سبعة أيام ، فتنقضي الجمرات بمضي أحد وعشرين يوما من شباط مثل رمي الجمار أحد وعشرون حصاة وهي ثلاث جمرات ، وكذلك الحضرة الإلهية تنطلق بإزاء ثلاث معان : الذات والصفات والأفعال ، ورمي الجمرات مثل الأدلة والبراهين على سلب كحضرة الذات ، أو إثبات كحضرة الصفات المعنوية ، أو نسب وإضافة كحضرة الأفعال ، فدلائل الجمرة الأولى لمعرفة الذات ، ولهذا يقف عندها لغموضها إشارة إلى الثبات فيها ، وهي ما يتعلق بها من السلوب ، إذ لا يصح أن يعرف بطريق إثبات صفة معينة ، ولا يصح أن يكون لها صفات نفسية متعددة ، بل صفة نفسه عينه لا أمر آخر ، فلا بدّ أن تكون صفته النفسية الثبوتية واحدة وهي عينه لا غير فهو مجهول العين معلوم بالافتقار إليه ، وهذه هي معرفة أحديته تعالى ، فيأتي خاطر الشبهة بالإمكان لهذه
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 773 | مرتضى الزبيدي