أعظم الذنوب أن يحضر عرفات ويظن أن اللّه تعالى لم يغفر له ، وكان اجتماع الهمم والاستظهار بمجاورة الأبدال والأولاد المجتمعين من أقطار البلاد هو سر الحج وغاية مقصوده ، فلا طريق إلى استدرار رحمة اللّه سبحانه مثل اجتماع الهمم وتعاون القلوب في وقت واحد على صعيد واحد .
وأما رمي الجمار : فاقصد به الانقياد للأمر وإظهارا للرق والعبودية وانتهاضا لمجرد الامتثال من غير حظ للعقل والنفس فيه . ثم اقصد به التشبه بإبراهيم عليه السلام
شرح
أملوه ، ( ويضيع سعيهم ) الذي اعتوروه ، ( ويدخر عنهم رحمة ) واسعة ( تغمرهم ) أي تعمهم . ( ولذلك قيل : إن من أعظم الذنوب أن يحضر عرفات ، ويظن أن اللّه لم يغفر له ) كما روي ذلك من طريق أهل البيت وتقدم الكلام عليه آنفا . ( وكان اجتماع الهمم ) المختلفة ( والاستظهار بمجاورة الأبدال والأوتاد ) وأرباب القلوب الصالحين ( والمجتمعين من أقطار البلاد ) الشاسعة ( هو سر الحج وغاية مقصوده ) وفي بعض النسخ وغايته ومقصوده ، ( فلا طريق إلى استدرار رحمة اللّه سبحانه ) أي استجلابها ( مثل اجتماع الهمم وتعاون القلوب في وقت واحد على صعيد واحد ) . ومن هنا قال العارفون : إذا قرئت سورة يس في جوف الليل الذي هو الثلث الأخير لأي حاجة قضيت مع الاخلاص ، لأنه اجتمعت فيه ثلاثة قلوب قلب الداعي وقلب القرآن وقلب الليل ، فإذا كان هذا في قلوب ثلاثة فما بال آلاف من القلوب مع شرف الموقف وهو سر جليل .
( وأما رمي الجمار ) الثلاث ، ( فليقصد به الانقياد للأمر ) الإلهي ( إظهارا للرق والعبودية ) التي هي أصل وصفة ، ( وانتهاضا لمجرد الامتثال ) لأوامر اللّه ورسوله ( من غير حظ ) معقول ( للعقل والنفس في ذلك ) لما سبق أنه أمر تعبدي لا مدخل فيه للعقل والنفس ، وإنما هو مجرد اتباع . ولا شك أن من ترك شيئا من اتباع الرسول فإنه ينقص من محبة اللّه إياه ، على قدر ما نقص من اتباع الرسول وكذب نفسه في محبته للّه بعدم تمام الاتباع . وعند أهل اللّه لو اتبعه في جميع أموره وأخلّ بالاتباع في أمر واحد ما اتبعه قط ، وإنما اتبع هوى نفسه لا هو مع ارتفاع الأعذار الموجبة لعدم الاتباع هذا مقرر عندهم فلا ينبغي التساهل فيه .
ولقد حكى القطب الشعراني قدس سره في بعض كتبه أنه اجتمع به رجل من أعيان المالكية كأنه الشريف التاجوري ، فلما أراد النهوض قال له الشيخ : هلم نقرأ الفاتحة ؛ فقال الرجل : لم يثبت عندي في ذلك شيء من السنّة ، فقال في نفسه : ولا علي من ذلك فقراءة الفاتحة كلها بركة وخير ، فرأى النبي صلّى اللّه عليه وسلم في المنام وعاتبه على ذلك ، وأمره بمطالعة كتب المالكية .
وقد ذكر الشيخ الأكبر قدس سره في ذلك حكاية عن القطب أبي زيد البسطامي قدس سره قال : كنت أعمل على الاتباع وأن حرمة الشريعة قائمة عندي ليس لي في ذلك الاتباع والمبادرة