حيث عرض له إبليس لعنه اللّه تعالى في ذلك الموضع ليدخل على حجه شبهة أو يفتنه بمعصية ، فأمره اللّه عز وجل أن يرميه بالحجارة طردا له وقطعا لأمله . فإن خطر لك
شرح
إليه هوى نفس ، فقالت لي والدتي في ليلة باردة : اسقني ماء يا أبا يزيد فوجدت لقيامي إلى ما التمسته مني من الماء ثقلا وكراهة لشدة البرد ، فأبطأت للتثاقل الذي وجدت ، ثم جئت بالكوز فوجدتها قد سارع إليها النوم ونامت ، فوقفت بالكوز على رأسها حتى استيقظت فناولتها الكوز ، وقد بقيت في أذن الكوز قطعة من جلد أصبعي لشدة البرد انقرضت ، فقامت الوالدة لذلك ورجعت إلى نفسي وقلت لها حبط عملك في كونك كنت تدعي في نشاطك للعبادات والاتباع من محبتك للّه ، فإنه ما كلفك ولا ندبك وأوجب عليك إلا ما هو محبوب له ، وكل ما يأمر به المحبوب عند المحب محبوب ، ومما أمرك اللّه به يا نفسي البر بوالدتك والإحسان إليها والمحب يفرح ويبادر لما يحبه حبيبه . ورأيتك قد تكاسلت وتثاقلت وصعب عليك أمر الوالدة حين طلبت الماء ، فقمت بكسل وكراهية فعلمت أنه كل ما نشطت فيه من أعمال البر وفعلته لا عن كسل ولا تثاقل ، بل عن فرح ولذة به ، إنما كان ذلك لهوى كان لك فيه لا لأجل اللّه . إذ لو كان للّه لما صعب عليك الإحسان لوالدتك ، وهو شيء يحبه اللّه منك وأمرك به وأنت تدعي حبه ، وأن حبه أورثك النشاط واللذة في عبادته ، فلم يسلم لنفسه هذا القدر ، وكذلك قال وكذلك غير أبي يزيد كان يحافظ على الصلاة في الصف الأول دائما منذ سبعين سنة وهو يزعم أنه يفعل ذلك رغبة فيما رغبه اللّه فيه موافقة للّه ، فاتفق له عائق عن المشي إلى الصف الأوّل ، فخطر له خاطر أن الجماعة التي تصلي في الصف الأوّل ، إذا لم يروه أن يقولوا أين هو فبكى وقال لنفسه : خدعتني منذ سبعين سنة تخيل لي أني للّه وأنا في هواك ، وما ذا عليك إذا فقدوك فتاب وما رؤي بعد ذلك يلزم في المسجد مكانا واحدا ، فهكذا حاسبوا نفوسهم ، ومن كانت حالته هذه ما يستوي مع من هو فاقد لهذه الصفة ، كذلك سبيل من رمى الجمار بمجرد الاتباع من غير أن يكون له ملاحظة حظ للنفس أو العقل فافهم ذلك .
( ثم ليقصد به التشبه بإبراهيم عليه السلام حيث عرض له إبليس لعنه اللّه تعالى في الموضع ليدخل على حجه شبهة أو يفتنه بمعصية ، فأمره اللّه عز وجل أن يرميه بالحجارة طردا له وقطعا لأمله ) .
روى عثمان بن ساج قال : أخبرني محمد بن إسحاق قال : « لما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت الحرام جاءه جبريل عليه السلام فقال له : طف به سبعا » ثم ساق الحديث وفيه : « انه لما دخل منى وهبط من العقبة تمثل له إبليس عند جمرة العقبة فقال له جبريل كبّر وارمه سبع حصيات فغاب عنه ، ثم برز له عند الجمرة الوسطى فقال له جبريل : كبّر وارمه فرماه إبراهيم سبع حصيات ، ثم برز له عند الجمرة السفلى فقال له جبريل : كبّر وارمه فرماه سبع حصيات مثل حصى الخذف فغاب عنه إبليس ، ثم مضى إبراهيم في حجه » . الحديث .