تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 769

مساهمون:

ص٧٦٩
الرحمة ، كالذي دخل على الملك وخرج وهو لا يدري ما الذي يقضي به الملك في حقه من قبول أو ردّ . فلا يزال يتردد على فناء الدار مرة بعد أخرى يرجو أن يرحم في الثانية إن لم يرحم في الأولى ، وليتذكر عند تردده بين الصفا والمروة تردده بين كفتي الميزان في عرصات القيامة وليمثل الصفا بكفة الحسنات والمروة بكفة السيئات ، وليتذكر تردده بين الكفتين ناظرا إلى الرجحان والنقصان مترددا بين العذاب والغفران . وأما الوقوف بعرفة : فاذكر - بما ترى من ازدحام الخلق وارتفاع الأصوات
شرح
المرحومين ، ( كالذي دخل على الملك ) لزيارته ومشاهدته ( وخرج ) من عنده ( وهو لا يدري ما الذي يقضي به الملك في حقه في قبول أو ردّ ) أو تقريب أو طرد ، ( فلا يزال يتردد على فناء الدار ) وحريمها ( مرة بعد أخرى يرجو ان يرحم في الثانية إن لم يرحم في الأولى ) أو في الثالثة إن لم يرحم في الثانية ، ( وليتذكر عند تردده بين الصفا والمروة تردده بين كفتي الميزان في عرصات القيامة ) لوزن أعماله ( وليمثل الصفا بكفة الحسنات ) لأن اللّه تهمم بها بالذكر فبدأ بها . وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « ابدأ بما بدأ اللّه به » فبدأ بالصفا وقرأ الآية ، ولذلك ناسب تمثيله بكفة الحسنات ، ( والمروة بكفة السيئات ) إذ بها يختم السعي وكلاهما نظيران كما أن الحسنات نظير السيئات ، وحكمهما على السواء لأن الشيء المقابل هو من مقابله على خط السواء ، ( وليتذكر تردده بين الكفتين ناظرا إلى الرجحان والنقصان مرددا بين العذاب والغفران ) ، وأيضا كان على الصفا أساف وعلى المروة نائلة ، فلا يغفلها الساعي بينهما ، فعند ما يرقى في الصفا يعبر اسمه من الأسف وهو حزنه على ما فاته من تضييع حقوق اللّه تعالى عليه ، ولهذا يستقبل البيت بالدعاء والذكر ليذكره ذلك فيظهر عليه الحزن ، فإذا وصل إلى المروة وهو موضع نائلة يأخذه من النول وهو العطية فيحصل نائلة الأسف أي أجره ، وليفعل ذلك في السبعة الأشواط لأن اللّه تعالى امتن عليه بسبع صفات ليتصرف فيها ويصرفها في أداء حقوق اللّه لا يضيع منها شيئا ، فيأسف على ذلك فيعجل اللّه له أجره في اعتبار نائلة بالمروة إلى أن يفرغ ، وليلاحظ أن السعي في هذا الموضع جمع الأحوال الثلاثة : وهي الانحدار والترقي والاستواء ، فانحداره إلى اللّه وصعوده إلى اللّه واستواؤه مع اللّه باللّه في اللّه عن أمر اللّه ، فليكن في كل من أحواله الثلاثة مع اللّه للّه ، وليتحقق أن الصفا والمروة من الحجارة ، والمطلوب منهما ما تعطيه حقيقتهما من الخشية والحياة والعلم باللّه والثبات في مقامهما ، فمن سعى ووجد مثل هذه الصفات في نفسه حال سعيه قد سعى وحصل نتيجة سعيه ، فانصرف من مسعاه حي القلب باللّه ذا خشية من اللّه عالما بقدره وبماله وللّه وان لم يكن كذلك فما سعى بين صفا ومروة . ( وأما الوقوف بعرفة فليذكر ما يرى من ازدحام الخلق ) واجتماعهم ( وارتفاع