طواف القلب بحضرة الربوبية ، وان البيت مثال ظاهر في عالم الملك لتلك الحضرة التي لا تشاهد بالبصر وهي عالم الملكوت ، كما أن البدن مثال ظاهر في عالم الشهادة للقلب الذي لا يشاهد بالبصر وهو في عالم الغيب . وأن عالم الملك والشهادة مدرجة إلى عالم الغيب والملكوت لمن فتح اللّه له الباب . وإلى هذه الموازنة وقعت الإشارة بأن البيت
شرح
ظاهر في عالم الملك لتلك الحضرة التي لا تشاهد بالبصر ، وهي في عالم الملكوت ، كما أن البدن مثال ظاهر في عالم الشهادة للقلب الذي لا يشاهد بالبصر ، وهو في عالم الغيب ، وأن عالم الملك والشهادة مدرجة إلى عالم الغيب والملكوت لمن فتح له الباب ) .
اعلم أن من وجوه تشبيه الكعبة بالقلب بالوجه الذي ذكر هو أنه لما جعل اللّه تعالى قلب عبده بيتا كريما وحرما جسيما وذكر أنه وسعه حين لم يسعه سماء ولا أرض جعل الخواطر التي تمر عليه كالطائفين ، ولما كان في الطائفين من يعرف حرمة البيت فيعامله بالطواف بما يستحقه من التعظيم والإجلال ، ومن الطائفين من لا يعرف ذلك فيطوفون به بقلوب غافلة لاهية ، وألسنة بغير ذكر اللّه ناطقة ، بل ربما نطقوا بفضول من القول وزور ، كذلك الخواطر التي تمر على قلب المؤمن منها مذموم ومنها محمود ، وكما كتب اللّه طواف كل طائف للطائف به على أي حالة كان ، وعفا عنه فيما كان منه ، كذلك الخواطر المذمومة عفا اللّه عنها ما لم يظهر حكمها على ظاهر الجسم للمس ، وكما أن في البيت يمين اللّه للمبالغة الإلهية ففي قلب العبد الحق سبحانه من غير تشبيه ولا تكييف كما يليق بجلاله سبحانه حيث وسعه ، ثم أن اللّه تعالى جعل لبيته أربعة أركان بسر إلهي وهي في الحقيقة ثلاثة أركان الركن الواحد الذي يلي الحجر كالحجر في الصورة مكعب الشكل ولأجل ذلك سمي كعبة تشبيها بالمكعب ، فإذا اعتبرت الثلاثة الأركان جعلها في القلب محل الخاطر الإلهي ، والآخر ركن الخاطر الملكي ، والآخر ركن الخاطر النفسي ، فالإلهي ركن الحجر ، والملكي الركن اليماني ، والنفسي المكعب الذي في الحجر الأسود ، وليس للخاطر الشيطاني فيه محل ، وعلى هذا الشكل قلوب الأنبياء مثلثة الشكل على شكل الكعبة ، ولما أراد اللّه سبحانه من إظهار الركن الرابع جعله للخاطر الشيطاني وهو الركن العراقي ، والركن الشامي للخاطر النفسي ، وإنما جعلنا الخاطر الشيطاني للركن العراقي لأن الشارع شرع أن يقال عنده أعوذ باللّه من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق ، وبالذكر المشروع في كل ركن تعرف مراتب الأركان ، وعلى هذا الشكل المربع قلوب المؤمنين ما عدا الرسل والأنبياء والمعصومين ليميز اللّه رسله وأنبياءه من سائر المؤمنين ، فليس لنبي إلا ثلاثة خواطر إلهي وملكي ونفسي ، ولغيرهم هذه وزيادة الخاطر الشيطاني العراقي ، فمنهم من ظهر حكمه عليه في الظاهر ، وهم عامة الخلق ، ومنهم من يخطر له ولا يؤثر في ظاهره وهم المحفوظون من أوليائه ، ولما اعتبر اللّه الشكل الأول الذي للبيت جعل له الحجر على صورته وسماه حجرا لما حجر عليه أن ينال تلك المرتبة أحد من غير الأنبياء والمرسلين حكمة منه سبحانه ، فلنا الحفظ الإلهي ولهم العصمة .