تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 764

مساهمون:

ص٧٦٤
وأما الطواف بالبيت : فاعلم أنه صلاة فاحضر في قلبك فيه من التعظيم والخوف والرجاء والمحبة ما فصلناه في كتاب الصلاة . واعلم أنك بالطواف متشبه بالملائكة المقربين الحافين حول العرش الطائفين حوله . ولا تظنن أن المقصود طواف جسمك بالبيت بل المقصود طواف قلبك بذكر رب البيت حتى لا تبتدىء الذكر إلا منه ، ولا تختم إلا به كما تبتدىء الطواف من البيت وتختم بالبيت ، واعلم أن الطواف الشريف هو
شرح
( وأما الطواف بالبيت ، فاعلم أنه صلاة ) . أخرج أحمد ، والنسائي ، عن طاوس ، عن رجل أدرك النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال « الطواف بالبيت صلاة فأقلّوا من الكلام » . وأخرجه الشافعي ، عن طاوس ، عن ابن عباس أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال « الطواف بالبيت صلاة ولكن اللّه أحل فيه المنطق فمن نطق فيه فلا ينطق إلّا بخير » . وأخرج النسائي عن ابن عمر أنه قال : « أقلوا الكلام في الطواف فإنما أنتم في الصلاة » . وأخرج الشافعي عن عمر وقال « في صلاة » وقد تقدم ذلك في ذكر الطواف . ( فاحضر في قلبك فيه من التعظيم ) والهيبة ( والخوف والرجاء والمحبة ما فصلناه في كتاب ) أسرار ( الصلاة ) بدليل أن حكمه حكم الصلاة إلّا ما وردت فيه الرخصة من الكلام وغيره ، ومقتضى ما ذكر إبطاله بما يبطل الصلاة حيث جعل حكمه حكمها . ( واعلم أنك بالطواف ) بالبيت ( متشبه بالملائكة المقربين الحافّين حول العرش الطائفين حوله ) لأن اللّه سبحانه نسب العرش إلى نفسه كما نسب البيت إلى نفسه ، وجعل العرش محل الاستواء للرحمن وقالالرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى[ طه : 5 ] وجعل الملائكة حافين به بمنزلة الحراس الذين يدورون بدار الملك والملازمين بابه لتنفيذ أوامره ، وجعل اللّه الكعبة بيته ، ونصب الطائفين به على ذلك الأسلوب ، وبذلك تم التشبه ، ولكن البيت تميز عن العرش بأمر ما هو في العرش وهو يمين اللّه في الأرض ، كما يأتي الكلام عليه قريبا . وقال الشيخ الأكبر : نسب اللّه إليه البيت سبحانه ، وأخبر أنه أول بيت وضعه اللّه تعالى معبدا وجعله نظيرا ومثلا لعرشه ، وجعل الطائفين به كالملائكة الحافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم ، ( ولا تظنن أن المقصود طواف جسمك بالبيت ، بل المقصود طواف قلبك بذكر رب البيت ، حتى لا يبتدأ الذكر إلا منه ، ولا يختم إلا به كما يبتدأ بالطواف من البيت ويختم بالبيت ) وهذا هو الذي وقعت الإشارة إليه في قولهيُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ *[ فاطر : 7 والزمر : 75 ] أي بالثناء على ربهم ، وثناؤنا على اللّه في طوافنا أعظم من ثناء الملائكة عليه سبحانه بما لا يتقارب لأنهم في هذا الثناء نواب عن الحق يثنون عليه بكلامه الذي أنزله عليهم ، وهم أهل اللّه وأهل القرآن ، فهم نائبون عنه في الثناء عليه فلم يشبه ذكرهم استنباطا نفسيا ولا اختيارا كونيا . ( واعلم أن الطواف الشريف هو تطواف القلب لحضرة الربوبية ، وأن البيت مثال
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 764 | مرتضى الزبيدي