وليتذكر الملبي عند رفع الصوت بالتلبية في الميقات إجابته لنداء اللّه عز وجل ، إذ قال :
وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ
[ الحج : 27 ] ونداء الخلق بنفخ الصور وحشرهم من القبور وازدحامهم في عرصات القيامة مجيبين لنداء اللّه سبحانه ومنقسمين إلى مقربين وممقوتين ومقبولين ومردودين ومترددين في أوّل الأمر بين الخوف والرجاء تردد الحاج في الميقات حيث لا يدرون أيتيسر لهم إتمام الحج وقبوله أم لا ؟
وأما دخول مكة : فليتذكر عندها أنه قد انتهى إلى حرم اللّه تعالى آمنا وليرج عنده أن يأمن بدخوله من عقاب اللّه عز وجل ، وليخش أن لا يكون أهلا للقرب
شرح
وروى الديلمي عن أنس « إذا حج بمال حرام فلبّى قال الرب لا لبيك ولا سعديك ثم يلف فيضرب وجهه » .
وروى أبو ذر الهروي في المناسك ، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه « من يمم هذا البيت بالكسب الحرام شخص في غير طاعة اللّه فإذا أهلّ ووضع رجله في الركاب وبعث راحلته وقال : لبيك اللهم لبيك ناداه مناد من السماء لا لبيك ولا سعديك كسبك حرام وثيابك حرام وراحلتك حرام وزادك حرام ارجع مأزورا غير مأجور وابشر بما يسوءك » الحديث .
وأخرج ابن الجوزي في مثير العزم ، عن أبي الجلاء قال : « كنت بذي الحليفة وشاب يريد أن يحرم فكان يقول : يا رب أريد أن أقول لبيك اللهم لبيك فأخشى أن تجيبني بلا لبيك ولا سعديك يردد ذلك مرارا ، ثم قال : لبيك اللهم لبيك يمدّ بها صوته وخرجت روحه » . فهذه أحوال الخائفين من اللّه تعالى .
( وليتفكر الملبّي عند رفع الأصوات بالتلبية في الميقات إجابته لنداء اللّه سبحانه إذا قال ) على لسان خليله إبراهيم عليه السلام( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ ) يَأْتُوكَ رِجالًا[ الحج : 27 ] الآية . ( نداء الخلق ) هو مفعول يتفكر ( حين ينفخ في الصور ) ينفخه إسرافيل عليه السلام ، ( و ) كذلك يتفكر ( حشرهم في القبور ، وازدحامهم في عرصات القيامة ) حالة كونهم ( مجيبين لنداء اللّه عز وجل ، ومنقسمين إلى ) أقسام بين ( مقربين ) في الحضرة ( وممقوتين ) مبغوضين ، ( ومقبولين ومردودين ) عن الحضرة ، ( ومترددين في أول الأمر بين الخوف والرجاء تردد الحاج في الميقات ) حالة إحرامهم ، ( بحيث لا يدرون أيتيسر لهم تمام الحج وقبوله أم لا ) ؟ فحال هؤلاء لا يوازي حال هؤلاء .
( وأما دخول مكة ) شرفها اللّه تعالى ، ( فليتذكر عند ذلك أنه قد انتهى إلى حرم اللّه عز وجل وأمنه ) كالذي يدخل في حضرة الملك فيأمن من سائر المخاوف ، ( وليرج ) من اللّه ( بدخوله الأمن من عذاب اللّه عز وجل ) الموعود به أهل المخالفات ، ( وليخش أن لا يكون أهلا للقرب ) من الحضرة الإلهية ، ( فيكون بدخوله الحرم خائبا ) خاسرا ( مستحقا للمقت )