منازل السفر فيبقى وقت الحاجة متحيرا محتاجا لا حيلة له ، فليحذر أن تكون أعماله التي هي زاده إلى الآخرة لا تصحبه بعد الموت ، بل يفسدها شوائب الرياء وكدورات التقصير .
وأما الراحلة : إذا أحضرها فليشكر اللّه تعالى بقلبه على تسخير اللّه عز وجل له الدواب لتحمل عنه الأذى وتخفف عنه المشقة وليتذكر عنده المركب الذي يركبه إلى دار الآخرة وهي الجنازة التي يحمل عليها ، فإن أمر الحج من وجه يوازي أمر السفر إلى الآخرة ، ولينظر أيصلح سفره على هذا المركب لأن يكون زادا له لذلك السفر على ذلك المركب فما أقرب ذلك منه . وما يدريه لعل الموت قريب ويكون ركوبه للجنازة قبل ركوبه للجمل ، وركوب الجنازة مقطوع به وتيسر أسباب السفر مشكوك فيه ، فكيف يحتاط في أسباب السفر المشكوك فيه . ويستظهر في زاده وراحلته ويهمل أمر السفر المستيقن ؟
شرح
كالطعام الرطب الذي يفسد في أول منازل السفر ) فلا ينتفع به فيبقى وقت الحاجة والاضطرار ( متحيرا ) في حاله ( محتاجا لا حيلة له ) في دفع احتياجه ، ( فليحذر أن تكون أعماله التي هي زاده إلى الآخرة ) أي بمنزلة الزاد للمسافر ( لا تصحبه بعد الموت ) وتتأخر عنه ، ( بل تفسدها شوائب الرياء وكدورات التقصير ) ، فإن الأعمال بمنزلة العسل والشوائب كالخل فهي تفسدها كإفساد الخل للعسل .
( وأما الراحلة إذا أحضرها ) بين يديه ( فليشكر اللّه بقلبه عز وجل على تسخير اللّه تعالى له الدواب لتحمل عنه الأذى وتخفف عنه المشقة ) وليذكر قوله تعالىوَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ[ النحل : 7 ] ( وليتذكر ) أيضا ( عند ذلك المركب الذي يركبه إلى الدار الآخرة وهي الجنازة أن يحمل عليها ) فوق أعناق الرجال ، وقد تقدم تحقيق لفظ الجنازة في أواخر كتاب الصلاة ، ( فإن أمر الحج من وجه يوازي ) أي يواجه ( أمر السفر إلى الآخرة ، ولينظر أيصلح سفره على هذا المركب ) الذي بين يديه ( لأن يكون زادا إلى ذلك السفر ) الذي إلى الآخرة ( على ذلك المركب ) الذي هو الجنازة ، ( فما أقرب ذلك منه ) إذ كل آت فلا بدّ منه ، ( وما يدريه لعل الموت قريب ) يفجؤه بغتة فلا يقبل شفيعا ولا رادا . ( ويكون ركوبه للجنازة قبل ركوبه لجهازه ) في سفر الحج ، ( فركوب الجنازة مقطوع به ) مشاهد بين عينيه يقينا ، ( وتيسير أسباب السفر مشكوك فيه ) تارة يحصل وتارة لا ( فكيف يحتاط ) العاقل ( في أسباب السفر المشكوك فيه ويستظهر في ) إعداد ( زاده وراحلته ويهمل أمر السفر المستيقن ) إن هذا لعجيب .