التغير والفناء استعدت للنظر والإبصار ، ولكنها بقصد البيت والنظر إليه تستحق لقاء رب البيت بحكم الوعد الكريم . فالشوق إلى لقاء اللّه عز وجل يشوقه إلى أسباب اللقاء لا محالة ، هذا مع أن المحب مشتاق إلى كل ما له إلى محبوبه إضافة والبيت مضاف إلى اللّه عز وجل فبالحري أن يشتاق إليه لمجرد هذه الإضافة فضلا عن الطلب لنيل ما وعد عليه من الثواب الجزيل .
وأما العزم : فليعلم أنه بعزمه قاصد إلى مفارقة الأهل والوطن ومهاجرة الشهوات واللذات متوجها إلى زيارة بيت اللّه عز وجل . وليعظم في نفسه قدر البيت وقدر رب البيت ، وليعلم أنه عزم على أمر رفيع شأنه خطير أمره وأن من طلب عظيما خاطر بعظيم ، وليجعل عزمه خالصا لوجه اللّه سبحانه بعيدا عن شوائب الرياء والسمعة ،
شرح
استعدت للنظر والإبصار ) بحسب قابليتها المفاضة عليها ، ( ولكنها بقصد البيت والنظر إليه استحقت لقاء رب البيت بحكم الوعد الكريم ) ، فالحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة وفيها تقع المشاهدة إذ هي دار المشاهدة واللقاء .
يروى عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أنه خرج فرأى ركبا فقال : من الركب ؟ فقالوا :
أحاجين قال : أنهزكم غيره ثلاث مرات ، قالوا : لا ، قال : لو يعلم الركب بمن أناخوا لقرت أعينهم بالفضل بعد المغفرة .
( والشوق إلى لقاء اللّه عز وجل يسوقها إلى أسباب اللقاء لا محالة ) ففي الصحيحين عن أنس مرفوعا « من أحب لقاء اللّه أحب اللّه لقاءه » ( هذا مع أن المحب يشتاق إلى كل ماله إلى محبوبه إضافة ) ونسبة ولو من بعيد ، ( والبيت مضاف إلى اللّه تعالى ، فبالحري ) أي باللائق ( أن يشتاق إليه ) في كل مرة ( بمجرد هذه الإضافة فضلا عن الطلب لنيل ما وعد عليه من الثواب الجزيل ) ، بل ربما يقطع نظره عن تأمل ذلك .
( وأما العزم ، فليعلم أنه بعزمه ) الحازم ( قاصد إلى مفارقة ) كل مألوف من ( الأهل والوطن ) والأحباب والمسكن ، ( ومهاجرة الشهوات ) النفيسة ( واللذات ) الحسية حالة كونه ( متوجها إلى زيارة بيت اللّه تعالى ) فإذا تحقق عنده هذا العزم ، ( فليعظم في نفسه قدر البيت لقدر رب البيت ) وتعظيمه ينشأ عن تعظيم من أضافه إلى نفسه ، ( وليعلم أنه عزم على أمر عظيم رفيع شأنه ) أي مرتفع بين الشؤون ، ( خطير أمره ) أي عظيم الخطر ، ( وأن من طلب عظيما ) في نفسه ( خاطر بعظيم ) ما عنده ، وحينئذ تهون عليه المصائب والشدائد في البدن والمال ، ( وليجعل عزمه خالصا للّه عز وجل من شوائب الرياء والسمعة ) فقد روى سعيد بن منصور ، عن عمر رضي اللّه عنه : من أتى هذا البيت لا يريد إلا إياه وطاف طوافا كان من ذنوبه كيوم ولدته أمه ، وفي رواية : لا ينهزه غير صلاة فيه رجع كما ولدته أمه . ( وليتحقق أنه لا يقبل