تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 726

مساهمون:

ص٧٢٦
هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون » فينبغي أن يستعمل هذه السنّة في رجوعه . وإذا أشرف على مدينته يحرك الدابة ويقول : « اللهم اجعل لنا بها قرارا ورزقا حسنا » ثم ليرسل إلى أهله من يخبرهم بقدومه كي لا يقدم عليهم بغتة فذلك هو السنّة ، ولا ينبغي أن يطرق أهله ليلا فإذا دخل البلد فليقصد المسجد أولا وليصلّ ركعتين فهو السنّة . كذلك كان يفعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فإذا دخل بيته قال : « توبا توبا لربنا أوبا لا يغادر علينا حوبا » فإذا استقر في منزله فلا ينبغي أن ينسى ما أنعم اللّه به عليه من زيارة بيته وحرمه وقبر نبيه صلّى اللّه عليه وسلم ، فيكفر تلك النعمة بأن يعود إلى الغفلة واللهو والخوض في المعاصي ، فما ذلك علامة الحج المبرور بل علامته أن يعود زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة متأهبا للقاء رب البيت بعد لقاء البيت .
شرح
( فينبغي أن يستعمل هذه السنة في رجوعه ) إلى وطنه ، ( وإذا أشرف على مدينته ) التي بها مسكنه ( فليحرك دابته ) أي يسرع بها في السير دون إجهاد ، ( وليقل : « اللهم اجعل لنا بها قرارا ورزقا حسنا » ) ولو قال : « اللهم أرني خيرها وخير ما فيها واكفني شرها وشر ما فيها » كان حسنا ، ( ثم يرسل إلى أهله من يخبرهم بقدومه ولا يقدم عليهم بغتة ) أي فجأة ( فذلك هو السنة ) . قال العراقي : لم أجد فيه ذكر الإرسال ، وفي الصحيحين من حديث جابر « كنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في غزاة فلما قدمنا المدينة ذهبنا لندخل فقال أمهلوا حتى ندخل ليلا أي مساء كي تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة » . ( ولا ينبغي أن يطرق أهله ليلا ) بل الأولى أن يبات خارجا في البلد إن أمكن أو في بيوت بعض الأصحاب حتى يصبح فيأتيهم بعد الإخبار ، ( فإذا دخل البلد فيقصد المسجد أولا ) المراد به مسجد الحي ( وليصل فيه ركعتين فهي السنة ، كذلك كان يفعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ) تقدم ذلك في كتاب أسرار الصلاة ، ( فإذا دخل بيته فليقل توبا توبا لربنا أوبا لا يغادر علينا حوبا ) أي إثما ( فإذا استقر في منزله فلا ينبغي أن ينسى ما أنعم اللّه به عليه من زيارة بيته ) المكرم ( وحرمه ) المعظم ، ( وقبر نبيه صلّى اللّه عليه وسلم ) ووفقه لتحصيل كل من ذلك ( فيكفر تلك النعمة بأن يعود إلى الغفلة ) عن الحضور والانتباه ( واللهو ) واللعب ( والخوض في المعاصي ) وفيما لا يعنيه ( فما ذلك من علامة الحج المبرور ، بل من علامته أن يعود زاهدا في الدنيا ) أي مقللا منها ( راغبا في الآخرة ) أي في أمورها ، وهذا مروي عن الحسن البصري ، وفي معناه قول غيره علامة بر الحج أن يزداد بعده خيرا ويغادر المعاصي بعد رجوعه ، وقيل في تفسير الحج المبرور غير ما ذكر كما سيأتي ، وزاد المصنف ( متأهبا ) أي متهيئا ( للقاء رب البيت بعد لقاء البيت ) إذ هو المقصود الأعظم من هذه العبادة ، بل العبادات كلها إنما يراد بها الوصول إلى اللّه تعالى ، واللّه أعلم .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 726 | مرتضى الزبيدي