شرح
الأولى : أخرجه البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والنسائي من طريق مالك .
وأخرج مسلم ، والترمذي من طريق أيوب السختياني ، ومسلم والنسائي من طريق عبيد اللّه بن عمر ، ومسلم وحده من طريق الضحاك بن عثمان كلهم ، عن نافع ، عن ابن عمر « أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة » فساقوه مثل سياق المصنف إلا أنه عندهم ثم يقول بدل : ويقول ، ولفظ عبيد اللّه كان إذا قفل من الجيوش أو السرايا أو الحج إذا أوفى على ثنية أو فدفد كبّر ثلاثا والباقي مثله ، وفي حديث أيوب عند مسلم التكبير مرتين ، وفي رواية الترمذي بدل ساجدون سائحون ، وعنده أيضا فعلا فدفدا من الأرض أو شرفا . وقال : حسن صحيح .
الثانية : كان إذا قفل من القفول هو الرجوع من السفر ولا يستعمل إلا في انتهاء السفر ، وإنما سمي المسافرون قافلة تفاؤلا لهم بالقفول والسلامة ، والشرف : محركة المكان المرتفع ، والفدفد : كجعفر المكان الذي فيه ارتفاع وغلظ ، ورجحه النووي وغيره ، وقيل : الأرض المستوية قاله الجوهري ، وقيل : الفلاة التي لا شيء فيها ذكره صاحب المشارق ، وقيل : غليظ الأرض ذات الحصى . والمراد بالأحزاب هنا الكفار الذين اجتمعوا يوم الخندق ، وتحزبوا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فأرسل اللّه تعالى عليهم ريحا وجنودا لم يروها . قال النووي : هذا هو المشهور ، وقيل : المراد أحزاب الكفر في جميع الأيام والمواطن نقله القاضي عياض .
الثالثة : فيه استحباب الإتيان بهذا الذكر في القفول من سفر الغزو والحج والعمرة ، وهل يختص ذلك بهذه الأسفار أو يتعدى إلى كل سفر طاعة كالرباط ، وطلب العلم وصلة الرحم أو يتعدى إلى السفر المباح أيضا كالنزهة ، أو يستمر في كل سفر ، ولو كان محرما يحتمل أوجها .
أحدها : الاختصاص وذلك لأن هذا ذكر مخصوص شرع بأثر هذه العبادات المخصوصة فلا يتعدى إلى غيرها والأذكار المخصوصة متعبد بها في لفظها ومحلها ومكانها وزمانها .
الثاني : أنه يتعدى إلى سائر أسفار الطاعة لكونها في معناها في التقرب بها .
الثالث : أنه يتعدى إلى الأسفار المباحة أيضا ، وعلى هذين الاحتمالين فالتقييد في الحديث إنما هو لكونه صلّى اللّه عليه وسلم لم يكن يسافر لغير المقاصد الثلاثة فقيده بحسب الواقع لا لاختصاص الحكم به .
الرابع : تعديه إلى الأسفار المحرمة لأن مرتكب الحرام أحوج إلى الذكر من غيره لأن الحسنات يذهبن السيئات ، وكلام النووي محتمل ، فإنه قال في تبويبه في شرح مسلم ما يقول : إذا رجع من سفر الحج وغيره مما هو مذكور في الحديث وهو العمرة والغزو وقد يريد غيره مطلقا .
وقال العراقي في شرح الترمذي : سواء فيه السفر لحج أو عمرة أو غزو كما في الحديث أو لغير ذلك من طلب علم وتجارة وغيرهما اه .
فمثل بطلب العلم وهو من الطاعات وبالتجارات وهي من المباحات ولم يمثل المحرم لكنه مندرج في إطلاقه .