تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 690

مساهمون:

ص٦٩٠
فإذا دخله فليصلّ ركعتين بين العمودين فهو الأفضل وليدخله حافيا موقرا . قيل
شرح
أنس محمول على السبب ، وفعل غيره محمول على مقاصد العبادة حتى لا تصير مهجورة ، ولا يلزم من القدرة على الأفضل أن لا يتعاطى المفضول فقصد التعهد له عند هجر الناس له أفضل من تعاطي الأفضل ، وينتظم به في سلك ذاكري اللّه في الغافلين ، ولأجل هذا المعنى فضلت الصلاة في مسجد الجوار على الأكثر جماعة ، فهذا تأويل مذهب من ذكرناه من الصحابة في تكراره لها . وقد روي عن ابن عباس أنه قال : يا أهل مكة ما عليكم أن لا تعتمروا إنما عمرتكم طوافكم بالبيت . يشير بذلك إلى أن اشتغالهم به أفضل من اشتغالهم بها ، وتخصيص الغرباء في سؤال عمر بن عبد العزيز بالذكر خرج مخرج الغالب ، فإن الغالب أن تكرارها إنما يكون حرصا منهم عليها لأنها تغرب بمفارقتهم الحرم ، وهذا المعنى موجود في الطواف ، فكان اشتغالهم به أولى من العمرة إذ هو المقصود منها ، فإن معنى العمرة زيارة البيت والطواف تحيته ، ويتأيد ذلك بأنه ليس منها ما هو عبادة مستقلة غيره وما سواه منها إنما كان عبادة بربط القصد إليه فهو تابع له إما وسيلة سابقة أو تتمة لا حقة ، ولهذا لو انفك عن ربط القصد إليه عدّ متلاعبا مساواة بين المقصود والتابع ، وهذا طاووس من أكبر الأئمة يقول : الذين يعتمرون من التنعيم ما أدري يؤجرون عليها أم يعذبون ؟ قيل له : فلم يعذبون ؟ قال : لأن أحدهم يدع الطواف بالبيت ويخرج إلى أربعة أميال ويجيء ، ومراده بالتعذيب واللّه أعلم إتعابه نفسه لا أن اللّه يعذبه على ذلك . وذهب مالك إلى كراهة تكرارها في العام الواحد ، وذهب أحمد إلى أنها تستحب في أقل من عشرة أيام ، ولم يذهب أحد إلى كراهة تكرار الطواف ، بل أجمعوا على استحبابه . وقد روي تكراره والإكثار منه عن كثير من الصحابة ، وقد روي عنه صلّى اللّه عليه وسلم : « أنه كان في حجة الوداع يفيض من البيت كل ليلة من ليالي منى وفي بعض الأيام مع قوله صلّى اللّه عليه وسلم انها أيام أكل وشرب وبعال » . وروي عن ابن عمر : أنه كان يطوف سبعة أسابيع بالليل وخمسة بالنهار وكان طواف آدم عليه السلام كذلك على أنا لا ندعي به كراهة تكرارها ، بل نقول إنها عبادة كثيرة الفضل عظيمة الخطر ، لكن الاشتغال بتكرار الطواف مثل مدتها أفضل من الاشتغال بها واللّه أعلم . ( وليكثر النظر إلى البيت ) فقد تقدم في حديث ابن عباس في نزول الرحمات : وفيه عشرون للناظرين . وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده مرفوعا : « النظر إلى الكعبة محض الإيمان » وعن مجاهد أنه قال : « النظر إلى الكعبة عبادة » . وعن سعيد بن المسيب أنه قال : « من نظر إلى الكعبة إيمانا وتصديقا خرج من خطاياه كيوم ولدته أمه » وعن عطاء قال : « النظر إلى البيت يعدل عبادة سنة قيامها وركوعها وسجودها » وعن ابن السائب قال : « من نظر إلى الكعبة إيمانا وتصديقا تحاتت عنه الذنوب كما يتحات الورق عن الشجر » وعنه قال : « النظر إلى البيت عبادة والناظر إليه بمنزلة الصائم القائم الدائم المخبت المجاهد في سبيل اللّه » كل ذلك أخرجه الأزرقي في التاريخ . ( وإذا دخله فليصلّ بين العمودين ) الكلام هنا أوّلا على استحباب الدخول ، ثم الصلاة فيه