تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 689

مساهمون:

ص٦٨٩
تمت عمرته . والمقيم بمكة ينبغي أن يكثر الاعتمار والطواف . وليكثر النظر إلى البيت .
شرح
( والمقيم بمكة ) يعني به الغريب الذي قصد مجاورتها ( ينبغي ) له ( أن يكثر الاعتمار والطواف ) ولم يرد بالمقيم الحاضر وإن كان لفظ الإقامة يشملهما ، وهكذا عبّر به المصنف في الوجيز في باب العمرة فقال في سياق عبارته إلا في حق المكي والمقيم بها . وقال الرافعي في شرحه كالمعترض عليه : لا شك أن المراد بالمكي الحاضر بمكة ، فلو اقتصر على قوله في حق المقيم بمكة لأغناه ودخل فيه ذلك المكي اه . ثم لا يخفى أن الصلاة والاعتمار والطواف كل منها أفضل في ذاته ، ولكن هل الصلاة أفضل من الطواف أو بالعكس ؟ فقطع الماوردي في الحاوي بأن الطواف أفضل مطلقا . وروي مثل ذلك عن سعيد بن جبير قال : الطواف هناك أحب إليّ من الصلاة يعني بالبيت حكاه الماوردي في تفسيره وقال : ولهذا القول وجه ، وإن كان فضل الصلاة أعم ، ومنهم من فضل الصلاة على الطواف مطلقا نظرا إلى عموم فضلها ، ومنهم من توسع فقال : أما أهل مكة فالصلاة لهم أفضل ، وأما أهل الأقطار فالطواف روي ذلك عن ابن عباس أخرجه البغوي في شرح السنة ، ومثله عن عطاء ، ومجاهد نقله الماوردي . وفي المغني لابن قدامة عن ابن عباس الطواف لكم يا أهل العراق أفضل ، والصلاة لأهل مكة أفضل ، ومنهم من قرر هذا التوسط بوجه آخر فقال : الطواف للشاب أفضل والصلاة للشيخ أفضل رواه البغوي في شرح السنة عن موسى الجهني عن مجاهد . وأما تفضيل الطواف على الاعتمار فأخرج الأزرقي عن قدامة بن موسى بن قدامة بن مظعون أن أنس بن مالك قدم المدينة فركب إليه عمر بن عبد العزيز فسأله عن الطواف للغرباء أفضل أم العمرة ؟ فقال : بل الطواف ، ومراده واللّه أعلم أن تكرار الطواف أفضل من العمرة ، ولا يريد طواف أسبوع واحد ، فإنه موجود في العمرة وتزيد العمرة بما فيها من غيره . قال المحب الطبري : وقد ذهب قوم من أهل عصرنا إلى تفضيل العمرة عليه ويرون الاشتغال بها أفضل من تكراره والاشتغال به . ويستفرغون وسعهم فيها بحيث لا تبقى في أحدهم منعة يستعين بها على الطواف وذلك خطأ ظاهر . وأول دليل على خطئه مخالفة السلف الصالح في ذلك قولا وفعلا إذ لم ينقل تكرارها والإكثار منها عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ولا عن أحد من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ، وقد اعتمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أربع عمر في أربع سفرات في أربعة أعوام ، ولم ينقل أنه صلّى اللّه عليه وسلم زاد في كل سفرة على عمرة ، ولا أحد ممن كان معه من الصحابة غير عائشة في حجة الوداع لمعنى اقتضى ذلك ، وكذلك كل من سكن الحرم من الصحابة والتابعين لم ينقل عنهم الإكثار منها فضلا عن مداركتها في أيام أو في يوم ، وأكثر ما روي عن عطاء أنه قال « في كل شهر عمرة وفي كل شهر عمرتان وفي كل شهر ثلاث عمر » وعن علي « في كل شهر عمرة » وعن أنس « أنه كان إذا حمم رأسه خرج فاعتمر » وعن ابن عمر « أنه كان يعتمر في رجب في كل عام » وعن عمر وعثمان مثله ، وعن القاسم : أن عائشة اعتمرت في عام واحد ثلاث عمر ، ففعل