تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 665

مساهمون:

ص٦٦٥
شرح
وفي قول المصنف : أسرع في المشي فيه وجه في المذهب أن الماشي لا يعدو ولا يرمل نقله الرافعي في بعض الشروح . وقال أبو جعفر الطحاوي : للمزدلفة ثلاثة أسماء هي ، جمع والمشعر الحرام والمأزمان بوادي محسر ، وأول محسر من القرن المشرق من الجبل الذي على يسار الذاهب إلى منى ، وآخره أول منى وليس وادي محسر من منى ولا من المزدلفة ، فالاستثناء في قوله : إلا وادي محسر منقطع ، ثم إن ظاهر كلام القدوري والهداية أن كلا من وادي محسر وعرنة ليسا مكان وقوف ، فلو وقف فيهما لا يجزئه سواء قلنا إنهما من مزدلفة وعرفة أو لا . وهكذا هو عبارة كلام محمد خلافا لما في البدائع ، فإنه صرح في وادي محسر بالاجزاء مع الكراهة وسكت عن عرنة ، وحكمهما واحد وهذا مع مخالفته لكلام الأصحاب غير مشهور ، والذي يقتضيه النظر إن لم يكن إجماع على عدم إجزاء الوقوف بهما هو أنهما إن كانا من مسمى عرفة والمشعر الحرام يجزئ الوقوف بهما ويكون مكروها لأن القاطع أطلق الوقوف لمسماهما مطلقا ، وخبر الواحد منعه في بعضه فقيده ، والزيادة عليه بخبر الواحد لا تجوز ، فيثبت الركن بالوقوف في مسماهما مطلقا ، والوجوب في كونه في غير المكانين المستثنيين ، وإن لم يكونا من مسماهما لا يجزئ أصلا وهو ظاهر واللّه أعلم . ثم إن هذا الوقوف كما تقدمت الإشارة إليه واجب عندنا وليس بركن ، حتى لو تركه بغير عذر لزمه الدم ، ونسبوا إلى الشافعي أنه ركن كما في الهداية ، وهو سهو بل هو عندهم سنّة ، ونسبه في المبسوط إلى الليث بن سعد ، وفي الإسرار إلى علقمة بن قيس وجه الركنية قوله تعالى :فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ[ البقرة : 198 ] قلنا : غاية ما يفيد إيجاب الكون في المشعر بالالتزام لأجل الذكر ابتداء ، وهذا لأن الأمر فيها إنما هو بالذكر عنده لا مطلقا ، فلا يتحقق الامتثال إلا بالكون عنده ، فالمطلوب هو المقيد فيجب القيد ضرورة لا قصدا ، فإذا أجمعنا على أن نفس الذكر الذي هو متعلق الأمر ليس بواجب انتفى وجوب الأمر فيه بالضرورة ، فانتفى الركنية والإيجاب من الآية . وإنما عرفنا الإيجاب من غيرها ، وهو ما رواه أصحاب السنن عن عروة بن مضرس رضي اللّه عنه رفعه « من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى يدفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا ونهارا فقد تم حجه » قال الحاكم : صحيح على شرط كافة أصحاب الحديث ، وهو من قواعد الإسلام ، ولم يخرجاه على أصلهما أن عروة بن مضرس لم يرو عنه إلا الشعبي ، وقد وجدنا عروة بن الزبير قد حدث عنه ثم ساقه ، علق به تمام الحج هو يصلح لإفادة الوجوب لعدم القطعية ، فكيف مع حديث البخاري عن عمر أنه كان يقدم ضعفة أهله فيقفون عند المشعر الحرام بليل ، الحديث . فإن بذلك تنتفي الركنية لأن الركن لا يسقط للعذر ، بل إن كان عذر يمنع أهل العبادة سقطت كلها أو أخرت أما إن شرع فيها فلا تتم إلا بأركانها . وكيف وليست هي سوى أركانها ، فعند عدم الأركان لم يتحقق مسمى تلك العبادة أصلا واللّه أعلم .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 665 | مرتضى الزبيدي