خرج منها في النصف الأول من الليل ولم يبت فعليه دم ، وإحياء هذه الليلة الشريفة من
شرح
الليل ولم يبت فعليه دم ) . اعلم أن مبيت أربع ليال نسك في الحج ليلة النحر بمزدلفة ، والثاني أيام التشريق بمنى ، لكن مبيت الليلة الثالثة منها ليس بنسك على الإطلاق ، بل في حق من لم ينفر اليوم الثاني من أيام التشريق على ما سيأتي ، وفي الحد المعتبر للمبيت قولان حكاهما الإمام عن نقل شيخه وصاحب التقريب . أظهرهما أن المعتبر كونه بمعظم المبيت في معظم الليل ، والثاني الاعتبار بحال طلوع الفجر . قال النووي : المذهب ما نص عليه الشافعي في الأم وغيره أن الواجب في مبيت المزدلفة ساعة في النصف الثاني من الليل واللّه أعلم .
وقال في موضع آخر : لو لم يحضر مزدلفة في النصف الأول وحضرها ساعة في النصف الثاني حصل المبيت . نص عليه في الإملاء ، والقديم يحصل بساعة من نصف الليل وطلوع الشمس ، وفي قول يشترط معظم الليل ، والأظهر وجوب الدم في ترك المبيت واللّه أعلم اه .
قال الإمام : وطرد القولين المذكورين على هذا النسق في ليلة مزدلفة محال لأنا جوزنا الخروج منها بانتصاف الليل ، ولا ينتهون إليها إلا بعد غيبوبة الشفق غالبا ، ومن انتهى إليها والحالة هذه وخرج بعد انتصاف الليل لم يكن بها حال طلوع الفجر ، ولا في معظم الليل فلا يتجه فيها إذ الاعتبار حالة الانتصاف ، ثم هذا النسك مجبور بالدم ، وهل هو واجب أو مستحب ؟ أما في ليلة مزدلفة فقد مر وأما في غيرها ففيه قولان أحدهما : أنه واجب ، والثاني أنه مستحب ، لأنه غير لازم على المعذور ، ولو وجب الدم لما سقط بالعذر كالحلق واللبس ، وكلام الأكثرين يميل إلى ترجيح الإيجاب ولا دم على من ترك المبيت بعذر ، وهم أصناف : منهم رعاة الإبل ، ومنهم سقاة الناس ، ولا تختص السقاية بالعباسية لأن المعنى يعمهم وغيرهم . وعن مالك ، وأبي حنيفة : أنها تختص بأولاد العباس وهو وجه لأصحاب الشافعي ، ولو استحدث سقاية للحج فللمقيم بشأنها ترك المبيت أيضا ، ومن المعذورين الذين ينتهون إلى عرفة ليلة النحر ويشغلهم الوقوف عن المبيت بمزدلفة فلا شيء عليهم ، وإنما يؤمر بالمبيت المتفرغون له ، ومن المعذورين من له مال يخاف ضياعه لو اشتغل بالمبيت ، أو مريض يحتاج إلى تعهده ، أو كان يطلب عبدا أبق أو يشتغل بأمر آخر يخاف فوته ففي هؤلاء وجهان : أصحهما ويحكى عن نصه أنه لا شيء عليهم بترك المبيت كالرعاة والسقاة .
قلت : وقال أصحابنا : المبيت بها سنة لا شيء عليه في تركه ، ولا تشترط النية للوقوف كوقوف عرفة ، ولو مر بها قبل طلوع الفجر من غير أن يبيت بها جاز ولا شيء عليه لحصول الوقوف في ضمن المرور كما في عرفة ، ولو وقف بعد ما أفاض الإمام قبل الشمس أجزأه ولا شيء عليه كما لو وقف بعد ما أفاض الإمام ولو دفع قبل الناس أو قبل أن يصلي « 1 » . لا شيء عليه إلا أنه خالف السنة إذ السنة حد الوقوف إلى الاسفار والصلاة مع الإمام ، واللّه أعلم .
( وإحياء هذه الليلة الشريفة من محاسن القربات لمن يقدر على ذلك ) وتقدم في آخر
هامش
( 1 ) بياض في الأصل