ولا بأس برفع الصوت بالتلبية في المساجد الثلاثة فإنها مظنة المناسك - أعني المسجد الحرام ومسجد الخيف ومسجد الميقات - وأما سائر المساجد فلا بأس فيها بالتلبية من غير رفع صوت ، وكان صلّى اللّه عليه وسلم إذا أعجبه شيء قال : « لبيك إن العيش عيش الآخرة » .
شرح
وترجم البخاري في الصحيح باب رفع الصوت بالاهلال ، وأورد فيه حديث أنس « صلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم الظهر بالمدينة أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين وسمعتهم يصرخون بهما جميعا » .
وفي المنصف لابن أبي شيبة من طريق المطلب بن عبد اللّه بن حنطب قال : « كان أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يرفعون أصواتهم بالتلبية حتى تبح أصواتهم » .
وأخرج سعيد بن منصور ، والبيهقي عن أبي حازم « كان أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إذا أحرموا لم يبلغوا الروحاء حتى تبح أصواتهم » .
وأخرج سعيد بن منصور من حديث أبي الزبير ، عن جابر ، وعن ابن عمر « انه كان يرفع صوته بالتلبية حتى سمع دوي صوته من الجبال » .
وأخرج البيهقي عن عائشة قالت « خرجنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فما بلغنا الروحاء حتى سمعنا عامة الناس وقد بحت أصواتهم » وعن أنس مثله . فهذه الأخبار كلها تدل على جواز رفع الصوت حتى يبح ، والمعتمد عند الفقهاء حديث أبي موسى المتقدم .
( ولا بأس برفع الصوت بالتلبية في المساجد الثلاثة فإنها مظنة المناسك . أعني المسجد الحرام ومسجد الخيف ) بمنى ( ومسجد الميقات ) الذي يحرم ، ( وأما سائر المساجد فلا بأس فيها بالتلبية من غير رفع صوت ) بحيث يسمع نفسه ومن يليه .
قال الطبري في المناسك : رفع الصوت عندنا بالتلبية مشروع في المساجد وغيرها ، وقال مالك :
لا يرفع الصوت بها في مساجد الجماعات ، بل يسمع نفسه ومن يليه إلا في مسجد منى والمسجد الحرام ، فإنه يرفع صوته بها فيهما وهو قول قديم للشافعي ، وزاد : مسجد عرفة لأن هذه المساجد تختص بالنسك ، ورفع الصوت بها مستحب عند الجمهور ، وأوجبه أهل الظاهر لظاهر الأحاديث المتضمنة له اه .
وعبارة الرافعي في الشرح : ويستحب الاتيان بها في مسجد مكة وهو المسجد الحرام ، ومسجد الخيف بمنى ، ومسجد إبراهيم بعرفة ، فإنها مواضع النسك . وفي سائر المساجد قولان : القديم لا يلبي فيها حذرا من التشويش على المتعبدين والمصلين بخلاف المساجد الثلاثة ، فإن التلبية معهودة فيها ، ويروى هذا عن مالك ، والجديد أنه يلبى فيها كسائر المساجد ، ويدل عليه اطلاق الأخبار الواردة في التلبية . فإنها لا تفرق في موضع وموضع ، وهذا الخلاف أورده الأكثرون في أصل التلبية فإن استحببناه استحببنا رفع الصوت وإلّا فلا ، وجعل إمام الحرمين الخلاف في أنها هل يستحب فيها