إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 544
فصل [ تحريم الصيد ] على تحريم صيد البر اتفق عامة العلماء وهو اتفاق أهل اللّه أيضا في اعتباره ومعناه . قال بعضهم : الزاهد : صيد الحق من الدنيا ، والعارف صيد الحق من الجنة ، فالخلق صيد للحق من نفوسهم برا وبحرا . فاعلم أن الحق تعالى نصب حبالات لصيد النفوس الشاردة مما خلقت له من عبادته ، ثم خدعهم بالحب الذي جعل لهم في تلك الحبالات أو الطعوم ، أو ذوات الأرواح المشتهية لهم في الحياة جعلها مقيدة في الحبالات من حيث لا يشعرون ، فمن الصيد من أوقعه في الحبالة رؤية الجنس طمعا في اللحوق بهم ، فصار في قبضة الصائد فقيده وهو كان المقصود لأنه مطلوب لعينه ، ومن الصيد من أوقعه الطمع في تحصيل الحب المبذور في الحبالات فأبصره فقاده الإحسان ، فرمى نفسه عليه فصاده ، فلولا الإحسان ما جاء إليه فمجيئه معلول والبر هو المحسن والإحسان والحق غيور ، فما أراد من هذه الطائفة الخاصة الذين جعلهم حراما ليكونوا له أن يجعلهم عبيد إحسان فيكون للإحسان لا له ، ولهذا دعاهم شعثا غبرا مجردين من المخيط ملبين لإجابته بالإهلال ، كما أجاب الطائر لصوت الصائد فحرم عليهم لمكانتهم صيد البر الذي هو الإحسان ما داموا حرما حالا في المكان الحلال والحرام ومكانا في الحرام وإن كانوا حلالا أو حراما ، فحيثما كانت الحرمة امتنع صيد الإحسان ، فإن اللّه من صفاته الغيرة فلم يرد أن يدعو هذه الطائفة المنعوتين بالإحرام من باب النعم والإحسان ، فيكونون عبيد إحسان لا عبيد حقيقة ، فإنه استهضام بالجناب الإلهي . يقال : من صحبك لغرض انقضت صحبته بانقضائه ، وصحبة العبد ربه ينبغي أن تكون ذاتية كما هي في نفس الأمر لأنه لا خروج للعبد عن قبضة سيده ، وإن أبق في زعمه كما هو ملكه وهو جاهل بملك سيده ، فلهذا حرم على الحاج صيد البر ما دام حراما ، فإذا خرج من إحرامه وصار حلالا حل له صيد البر ، وهو قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « أحبوا اللّه لما يغذوكم به من نعمه » خطابا منه لعبيد الإحسان حيث جهلوا مقاديرهم ، وما ينبغي لجلال اللّه من الانقياد بالطاعة إليه ، ولم يحرم صيد البحر على المحرم ما دام حرما لأن صيد البحر صيد ماء وهو عنصر الحياة ، والمطلوب بإقامة هذه العبادة وغيرها إنما هو حياة القلوب والجوارح وقعت المناسبة بين ما طلب منه وبين الماء فلم يحرم صيده أن يتناله . ولهذا جاء بلفظ البحر لاتساعه فإنه يعم ، وكذلك هو الأمر في نفسه فإنه ما من شيء خلقه إلا هو يسبح بحمده ولا يسبح إلهي فسرت الحياة في جميع الموجودات فاتسع حكمها فناسب البحر في الإتساع ، ولذا لم يقل صيد الماء لمراعاة السعة التي في البحر ، فصيد البحر حلال للحلال والحرام ، واللّه أعلم .