إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 536
وهو محرم » وقال : « إن اللّه لا يعبأ بأوساخكم شيئا » وهل يكره ذلك ؟ المشهور أنه لا يكره ذلك . وحكى الحناطي والإمام قولا عن القديم أنه يكره . فصل في اعتبار غسل الرأس للمحرم : لما كان الرأس محل القوى الإنسانية كلها ومجمع القوى الروحانية اعتبر فيه الحكم دون غيره من الأعضاء لجمعيته ، فحفظه متعين على المكلف لأنه لو اختل من قواه قوة أدى ذلك الاختلال إلى فساد يمكن إصلاحه ، أو إلى فساد لا يمكن إصلاحه ، وإما إلى فساد يكون فيه تلفه فيزول عن إنسانيته ويرجع من جملة الحيوانات فيسقط عنه التكليف فتنقطع المناسبة بينه وبين الاسم المنعوت الجامع مناسبة التقريب خاصة لا مناسبة الافتقار ، لأن مناسبة الافتقار لا تزول عن الممكن أبدا لا في حال عدمه ولا في حال وجوده فإذا اغترب الإنسان عن موطن عبوديته فهي جنابته فيقال له ارجع إلى وطنك حتى يمنحك الحق ما شاء ، فهذا اعتبار غسل الجنابة ، وإما في غير الجنابة فحكمة الغسل لحفظ القوى وحفظها من أوجب الحكم ، لا سيما وكونها واجبا لأنها دلت على العلم بعينها ، وكل حكم لها لذاتها كالكيف والكم فضلها اللّه على خلقه بما لها من جودة الفهم ، فمن راعى حفظ هذه القوى مما ينالها من الضرر لسد المسام وانعكاس الأبخرة المؤذية لها المؤثرة فيها قال بالغسل ، ومن غلب الحرمة لضعف الزمان في ذلك وندور الضرر ، وإن كان الغسل بالماء يزيد شعثا في تلبيد الرأس ، واللّه تعالى قد أمرنا بإلقاء الشعث عنا لما ذكرناه من حفظ القوى وما في معناها لأن الطهارة والنظافة مقصودة للشارع لأنه القدوس وما له اسم يقابله فيكون له حكم ولما جهل غلماء الرسوم حكمة هذه العبادة من حيث أنهم ليس لهم كشف إلهي من جانب الحق جعلوا أكثر أفعالها تعبدا ، ونعم ما فعلوا فإن هذا في جميع العبادات كلها مع عقلنا بعلل بعضها من جهة الشرع بحكم التعريف أو بحكم مناط الاستنباط ، ومع هذا كله فلا نخرجها عن أنها تعبد من اللّه إذ كانت العلل غير مؤثرة في إيجاب الحكم مع وجود العلة وكونها مقصودة ، وهذا أقوى في تنزيه الجناب الإلهي إذا فهمت . وأما اعتبار دخول المحرم الحمام فاعلم أنه ليس في أحوال الدنيا ما يدل على الآخرة ، بل على اللّه تعالى وعلى قدر الإنسان مثل الحمام ، ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه لما دخل الحمام بالشام : نعم البيت بيت الحمام ينعم البدن وينقي الدرن ويذكر بالآخرة . ومن هذه آثاره في العبد لا يكره له استعماله ، فإنه نعم الصاحب وبه سمي ، لأن الحمام من الحميم والحميم الصاحب ، وبه سمي حميما لحرارته ، واستعمل فيه الماء لما فيه من الرطوبة ، فالحمام حار رطب وهو طبع الحياة وبها ينعم البدن ، وبالماء يزول الدرن وبتجريد الداخل فيه عن لباسه ويبقى عريانا ما عدا عورته حافي الرأس لا شيء في بدنه من جميع ما يملكه يذكر الآخرة عند قيام الناس من قبورهم عراة حفاة لا يملكون شيئا ، فدخول الحمام أدل على أحوال الآخرة من الموت ، فإن الميت لا ينقلب إلى قبره حتى يكسى