تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 533

مساهمون:

ص٥٣٣
شرح
طيب جزءا من بدنه بغالية أو مسك مسحوق أو ماء ورد لزمته الفدية ، وعن أبي حنيفة أن الفدية التامة إنما تلزم إذا طيب عضوا أو ربع عضو ، فإن طيب أقل منه لم تلزمه ، ولا فرق بين أن يتفق الإلصاق بظاهر البدن أو داخله كما لو أكله أو احتقن به أو تسعط به ، وقيل : لا فدية في الحقنة والسعوط ، ولو جلس في حانوت عطار أو عند الكعبة وهي تجمر أو في بيت تجمر ساكنوه فعبق به الريح دون العين فلا فدية ، لأن ذلك لا يسمى متطيبا ، ثم إن قصد الموضع لا لاشتمام الرائحة لم يكره ، وإلّا كره على الأصح . وعن القاضي الحسين أن الكراهة ثابتة لا محالة ، والخلاف في وجوب الفدية . ولو احتوى على مجمرة فتبخر بالعود بدنه وثيابه لزمته الفدية لأن هذا هو طريق التطيب ، وعن أبي حنيفة أنه لا فدية عليه ، ولو مسّ طيبا ولم يعلق ببدنه شيء من عينه ، ولكن عبقت به الرائحة فهل تلزمه الفدية ؟ فيه قولان أحدهما : لا وهو منقول المزني ، والثاني نعم . وهو المروي عن الإملاء . وذكر صاحب العدة أن هذا أصح القولين ، وكلام الأكثرين يميل إلى الأول ، ولو شد المسك أو العنبر أو الكافور في طرف ثوبه أو جيبه وجبت الفدية ، وفي العود لا ، وإن حمل مسكا في قارة غير مشقوقة فوجهان . أصحهما وبه قال القفال انه تجب ، وأصحهما وبه قال الشيخ أبو حامد لا . ولو جلس على فراش مطيب ونام عليه مفضيا ببدنه أو ملبوسه إليها لزمته الفدية فلو فرش فوقه ثوبا . ثم جلس عليه أو نام لم تجب ، ولو داس بنعله طيبا لزمته الفدية لأنها ملبوسة له . الأمر الثالث : كون الاستعمال عن قصد ، فلو تطيب ناسيا لإحرامه أو جاهلا بتحريم الطيب لم تلزمه الفدية ، وعند مالك وأبي حنيفة والمزني تجب الفدية على الناسي والجاهل ، وعن أحمد روايتان . وإن علم بتحريم الاستعمال وجهل وجوب الفدية لزمته الفدية ، ولو علم تحريم الطيب وجهل كون الممسوس طيبا فجواب الأكثرين أنه لا فدية . وحكى الإمام وجها آخر أنها تجب . ولو مس رطبا وهو يظن أنه يابس لا يعلق به شيء منه ففي وجوب الفدية قولان . أحدهما : انها تجب ، والثاني : لا . وبالقول الأول أجاب صاحب الكتاب ورجحه الإمام وقطع به في الشامل ، ولكن طائفة من الأصحاب رجحوا الثاني . وذكر صاحب التقريب أنه القول الجديد ، ومتى لصق الطيب ببدنه أو ثوبه على وجه لا يوجب الفدية ، وإن كان ناسيا أو ألقته الريح عليه ، فعليه أن يبادر إلى غسله أو معالجته بما يقطع رائحته ، والأولى أن يأمر غيره به ، وإن باشره بنفسه لم يضره لأن قصده الإزالة فإن توانى فيه ولم يزله مع الإمكان فعليه الفدية فإن كان زمنا لا يقدر على الإزالة فلا فدية عليه كما لو أكره على الطيب . قاله في التهذيب .

فصل [ في اعتبار الطيب للمحرم ]

وأما اعتبار الطيب للمحرم ، فاعلم أن رائحة الطيب يستلذ بها صاحب الطبع السليم ، ولا تستخبثها نفسه وهو الثناء على العبد بالنعوت الإلهية الذي هو التخلق بالأسماء الحسنى لا بمطلق الأسماء وهو في هذه العبادة الأغلب عليه مقام العبودية لما فيها من التحجر ، ومن الأفعال التي يجهل حكمتها النظر العقلي فكأنها مجرد عبادة فلا تقوم إلا بأوصاف العبودية ، فالمحرم في حالة إحرامه