تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 531

مساهمون:

ص٥٣١
شرح
فاعلم أن الاحتزام مأخوذ من الحزم وهو الاجتهاد في الأخذ بالأمور التي يكون في الأخذ بها حصول السعادة للإنسان ومرضاة الرب إذا كان الحزم على الوجه المشروع ، والحبل إذا كان حبل اللّه وهو السبب الموصل إلى ادراك السعادة ، فإن كان ذلك المحتزم احتزم بحبل اللّه معلما بأخذ الشدائد والأمور المهمة ، وقال له : « ألقه » ، فإنما ذلك مثل قوله : « من يشادّ هذا الدين يغلبه » « وإن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق » وكان كثيرا ما يأمر النبي صلّى اللّه عليه وسلم بالرفق وقال : « إن اللّه يحب الرفق في الأمر كله » والحزم ضد الرفق فإن الحزم سوء الظن ، وقد نهينا عن سوء الظن والأمر أيسر مما يتخيله الحازم وهو يناقض المعرفة ، فإنه لا يؤثر في القدر الكائن والأمر الشديد إذا تقسم على الجماعة هان هذا اعتباره الذي يحتاج إليه ، ولا سيما المحرم فإنه محجور عليه فزاد بالحبل احتجارا على احتجار فكأنه قال له : يكفيك ما أنت عليه من الاحتجار فلا تزد فما كان أرفقه بأمته صلّى اللّه عليه وسلم ، وإنما رخص رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في الهميان للمحرم ، لأن نفقته فيه الذي أمره اللّه أن يتزوّد بها إذا أراد الحج فقال :وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى[ البقرة : 197 ] فالتقوى هنا ما يتخذه الحاج من الزاد ليقي به وجهه من السؤال ويتفرغ لعبادة ربه هذا هو التقوى المعروف ، ولهذا ألحقه بقوله عقيب ذلكوَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ[ البقرة : 197 ] فأوصاه أيضا مع تقوى الزاد بالتقوى فيه ، وهو أن لا يكون إلا من وجه طيب ، ولما كان الهميان محلا له وظرفا ووعاء وهو مأمور به في الاستصحاب رخص له في الاحتزام به ، فإنه من الحزم أن تكون نفقة الرجل صحبته ، فإن ذلك أبعد من الآفات التي يمكن أن تطرأ عليه فتتلفه . ذكر ابن عدي الجرجاني من حديث ابن عباس قال : « رخص رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في الهميان للمحرم » وإن كان هذا الحديث لا يصح عند أهل الحديث وهو صحيح عند أهل الكشف .

فصل في اعتبار إحرام المرأة في وجهها :

هو رجوع إلى الأصل فإن الأصل أن لا حجاب ولا ستر ، والأصل ثبوت المعنى لا وجودها ، ولم تزل بهذا النعت موصوفة وبقبولها لسماع الكلام إذا خوطبت صفوته فهي مستعدة لقبول نعت الوجود مسارعة لمشاهدة المعبود ، فلما قال لها كن فكانت فبانت لنفسها وما بانت . فوجدت غير محجور عليها في صورة موجدها ذليلة في عين مشهدها لا تدري ما الحجاب ولا تعرفه ، فلما بانت للأعيان وآثرت الطبيعة الشح في الحيوان ووفره في حقيقة الإنسان لما ركبه اللّه عليه في نشأته من وفور العقل وتحكيم القوى الروحانية والحسية منه انجرت الغيرة المصاحبة للشح والوهم أقوى فيه مما سواه ، والعقل ليس بينه وبين الغيرة مناسبة في الحقيقة ، ولهذا خلقه اللّه في الإنسان لدفع سلطان الشهوة والهوى الموجبين لحكم الغيرة فيه ، فإن الغيرة من مشاهدة الغير المماثل المزاحم له فيما يروم تحصيله أو هو حاصل له من الأمور التي إذا ظفر به واحد لم يكن عند غيره وهو مجبول على الحرص ، والطمع أن يكون كل شيء له وتحت حكمه لإظهار حكم سلطان الصورة التي خلق
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 531 | مرتضى الزبيدي