شرح
فاعلم أن الاحتزام مأخوذ من الحزم وهو الاجتهاد في الأخذ بالأمور التي يكون في الأخذ بها حصول السعادة للإنسان ومرضاة الرب إذا كان الحزم على الوجه المشروع ، والحبل إذا كان حبل اللّه وهو السبب الموصل إلى ادراك السعادة ، فإن كان ذلك المحتزم احتزم بحبل اللّه معلما بأخذ الشدائد والأمور المهمة ، وقال له : « ألقه » ، فإنما ذلك مثل قوله : « من يشادّ هذا الدين يغلبه » « وإن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق » وكان كثيرا ما يأمر النبي صلّى اللّه عليه وسلم بالرفق وقال : « إن اللّه يحب الرفق في الأمر كله » والحزم ضد الرفق فإن الحزم سوء الظن ، وقد نهينا عن سوء الظن والأمر أيسر مما يتخيله الحازم وهو يناقض المعرفة ، فإنه لا يؤثر في القدر الكائن والأمر الشديد إذا تقسم على الجماعة هان هذا اعتباره الذي يحتاج إليه ، ولا سيما المحرم فإنه محجور عليه فزاد بالحبل احتجارا على احتجار فكأنه قال له : يكفيك ما أنت عليه من الاحتجار فلا تزد فما كان أرفقه بأمته صلّى اللّه عليه وسلم ، وإنما رخص رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في الهميان للمحرم ، لأن نفقته فيه الذي أمره اللّه أن يتزوّد بها إذا أراد الحج فقال :وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى[ البقرة : 197 ] فالتقوى هنا ما يتخذه الحاج من الزاد ليقي به وجهه من السؤال ويتفرغ لعبادة ربه هذا هو التقوى المعروف ، ولهذا ألحقه بقوله عقيب ذلكوَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ[ البقرة : 197 ] فأوصاه أيضا مع تقوى الزاد بالتقوى فيه ، وهو أن لا يكون إلا من وجه طيب ، ولما كان الهميان محلا له وظرفا ووعاء وهو مأمور به في الاستصحاب رخص له في الاحتزام به ، فإنه من الحزم أن تكون نفقة الرجل صحبته ، فإن ذلك أبعد من الآفات التي يمكن أن تطرأ عليه فتتلفه .
ذكر ابن عدي الجرجاني من حديث ابن عباس قال : « رخص رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في الهميان للمحرم » وإن كان هذا الحديث لا يصح عند أهل الحديث وهو صحيح عند أهل الكشف .