تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 523

مساهمون:

ص٥٢٣
شرح
الهدي كاف ولا يلزمه هدي ولا ينسخ جملة واحدة ، وإن أفرد الحج ومعه فلا فسخ « فإلى » هنا بمعنى « مع » ولهذا يدخل القارن فيه لقوله تعالىفَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ[ البقرة : 196 ] أي مع الحج فيعم المفرد والقارن بالدلالة ، فإن العمرة الزيارة فإذا قصدت على التكرار وأقل التكرار مرة ثانية كانت الزيارة حجا ، فدخلت العمرة في الحج أي يحرم بها في الوقت الذي يحرم بالحج ، فإذا أحل المتمتع لأداء حق نفسه ثم ينشئ الحج ، فقد يكون تمتعه بصفة ربانية ، ولا سيما إن كان ممن جعله اللّه نورا ، أو كان الحق سمعه وبصره فلا يتصرف فيما يتصرف فيه إلا بصفة ربانية ، والصفات الإلهية على قسمين : صفة إلهية تقتضي التنزيه كالكبير والعالي ، وصفة إلهية تقتضي التشبيه كالمتكبر والمتعالي ، وما وصف الحق به نفسه مما يتصف به العبد فمن جعل ذلك نزولا من الحق إلينا جعل ذلك صفة للعبد ، ومن جعل ذلك صفة للحق إلهية لا نعقل نسبتها إليه لجهلنا به كان العبد في اتصافه بها يوصف بصفة ربانية في حال عبوديته ، ويكون جميع صفات العبد التي نقول فيها لا تقتضي التنزيه هي صفات الحق تعالى لا غيرها ، غير أنها لما تلبس بها العبد انطلق عليها لسان استحقاق للعبد ، والأمر على خلاف ذلك . وهذا الذي يرتضيه المحققون من أهل الطريق وهو قريب إلى الأفهام إذا وقع الإنصاف . واعلم أن المحرم لا يحرم كما أن الموجود لا يوجد ، وقد أحرم المردف قبل أن يردف ، ثم أردف على إحرام العمرة المتقدم وأجزأه بلا خلاف ، والإحرام ركن في كل من العملين وبالاتفاق جوازه فيترجح من يقول يطوف لهما طوافا واحدا وسعيا واحدا وحلاقا واحدا أو تقصيرا على من لا يقول بذلك ، وقد عرفت حكم تداخل الأسماء الإلهية في الحكم وانفراد حكم الاسم الإلهي الذي لا يداخله حكم غيره في حكمه ، فمن أفرد قال الأفعال كلها للّه والعبد محل ظهورها ، ومن قرن قال : الأفعال للّه بوجه وتنسب إلى من تظهر فيه بوجه يسمى ذلك كسبا في مذهب قوم وخلقا في مذهب آخرين ، واتفق الكل على أن خلق القدرة المقارنة لظهور الفعل من العبد للّه تعالى ، وأنها ليست من كسب العبد ولا من خلقه ، واختلفوا هل لها أثر في المقدور أم لا ؟ فمنهم من قال لها أثر في المقدور ولا يكون مقدورها إلا عنها ، وبه صح التكليف وتوجه على العبد إذ لو لم يكن قادرا على الفعل لما كلفلا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها[ البقرة : 286 ] ، وهو ما تقدر على الإتيان به ، وقال في أن القدرة للّه التي في العبد :لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها[ الطلاق : 7 ] والذي أعطاها إنما هو القدرة التي خلق فيه ، ومنهم من قال ليس للقدرة الحادثة أثر خلق في المقدور الموجود من العبد ، وليس للعبد في الفعل الصادر منه إلا الكسب ، وهو اختياره لذلك إذ لم يكن مضطرا ولا محصورا فيه ، وأما عند أهل اللّه الذين هم أهله فأعيان الأفعال الظاهرة من أعيان الخلق في أعيان الممكنات ما ظهر من الأفعال ، والعطاء بطريق الاستعداد لا يقال فيه انه فعل من أفعال المستعد لا أنه لذاته اقتضاه كما أعطى قيام العلم لمن قام به حكم العالم ، وكون العالم عالما ليس فعلا بالاقتضاءات الذاتية العلمية ليست أفعالا منسوبة لمن ظهرت عنه ، وإنما هي أحكام له ، فأفعال المكلفين فيما كلفوا به من الأفعال