تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 522

مساهمون:

ص٥٢٢
شرح
« لبيك عمرة وحجا » وعند ابن ماجة من حديث أبي طلحة أنه قال : « قرن النبي صلّى اللّه عليه وسلم في حجة الوداع » وعند أحمد وأصحاب السنن عن السري بن معبد أنه قال « أحللت بهما معا » فقال عمر : هديت لسنة نبيك . وعند النسائي من حديث علي برواة موثقين « أنه جمع بين الحج والعمرة طاف طوافين وسعى سعيين » وحدث أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فعل ذلك ، ومما جمعوا به بين الروايات أن هذا الاختلاف مبني على اختلاف السماع ، فإن بعضهم سمع أنه يلبي بالحج وحده ، فروى أنه كان مفردا ، وأن بعضهم سمع أنه يلبي بالعمرة وحدها فروى أنه كان متمتعا ، وأن بعضهم سمع أنه يلبي بهما معا فروى أنه كان قارنا ، ومحل الاختلاف بيننا وبين الشافعي إنما هو إفراد كل نسك بإحرام في سنة واحدة أفضل أو الجمع بينهما بإحرام واحد أفضل ؟ ولم يقل أحد بتفضيل الحج وحده على القران ، وما روي عن محمد أنه قال : حجة كوفية وعمرة كوفية أفضل عندي من القران فليس بموافق لمذهب الشافعي في تفضيل الإفراد ، فإنه يفضل الإفراد سواء أتى بنسكين في سفرة واحدة أو سفرتين ، ومحمد : إنما الأفضل الإفراد إذا اشتمل على سفرتين ، ومما استدل به على أفضلية القران غير ما ذكر ما رواه ابن أبي شيبة والطحاوي من حديث أم سلمة رفعته « أهلوا يا آل محمد بعمرة في حجة » ولأن فيه جمعا بين العبادتين فأشبه الصوم والاعتكاف والحراسة في سبيل اللّه وصلاة الليل ، وعلى أفضلية التمتع على الإفراد لأن فيه جمعا بين العادتين فأشبه القران ، واللّه أعلم .

فصل في اعتبار المحرمين :

فالقارن من قرن بين صفات الربوبية وصفات العبودية في عمل من الأعمال كالصوم ، أو من قرن بين العبد والحق في أمر بحكم الاشتراك فيه على التساوي بأن يكون لكل واحد من ذلك الأمر حظ مثل ما للآخر ، كانقسام الصلاة بين اللّه وعبده ، فهذا أيضا قران ، وأما الإفراد فهو مثل قوله :لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ[ آل عمران : 128 ] ومثل قولهقُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ[ آل عمران : 154 ] وقوله تعالىوَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ[ هود : 123 ] وما جاء من مثل هذا مما انفرد به عبد دون رب أو انفرد به رب دون عبد . قوله تعالىأَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ[ فاطر : 15 ] وقال لأبي يزيد تقرب إلي بما ليس لي الذلة والافتقار ، فهذا معنى القران والإفراد . واعلم أن أشهر الحج حضرة إلهية انفردت بهذا الحكم فأي عبد اتصف بصفة سيادة من تخلق إلهي ، ثم عاد إلى صفة حق عبودية ، ثم رجع إلى صفة سيادية في حضرة واحدة فذلك هو المتمتع ، فإن دخل في صفة عبودية بصفة ربانية في حال اتصافه بذلك فهو القادر وهو متمتع ، ومعنى التمتع أنه يلزمه حكم الهدي ، فإن كان له هدي وهو بهذه الحالة من الإفراد أو القران فذلك