إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 526
وفي الخف أمر بالقطع على ما روي من حديث ابن عمر السابق ، وبالوجه الأول أجاب الإمام وتابعه المصنف حيث قال في الوجيز : ولو فتقه فلم يتأت إزار فلا فدية ، ولكن الأصح عند الأكثرين إنما هو الوجه الثاني ، وإذا لبس السراويل لفقد الإزار ثم وجده فعليه النزع ، فلو لم يفعل فعليه الفدية ، وإذا لم يجد نعلين لبس المكعب أو قطع الخف أسفل من الكعب ولبسه ، وهل يجوز لبس الخف المقطوع والمكعب مع وجود النعلين ؟ فيه وجهان . أحدهما : نعم لشبهه بالنعل ، ألا ترى أنه لا يجوز المسح عليه ، وأصحهما لا لأن الإذن في الخبر مقيد بشرط أن لا يجد النعلين ، وعلى هذا لو لبس الخف المقطوع ثم وجد النعلين نزع الخف ، ولو لم يفعل افتدى وإذا جاز لبس الخف المقطوع لم يضر استتار ظهر القدم بما بقي منه لحاجة الاستمساك كما لا يضر استتاره بشراك النعل . فإن قلت : ما معنى عدم وجدان الإزار والنعل ؟ قلنا : المراد منه أن لا يقدر على تحصيله إما لفقده في ذلك الموضع ، أو لعدم بذل المالك إياه ، أو لعجزه عن الثمن إن باعه ، أو الأجرة إن آجره ، ولو بيع بغبن أو نسيئة لم يلزم شراؤه ، ولو أعير منه وجب قبوله ولم يجب إن وهب ذكر هذه الصورة القاضي ابن كج . تنبيه : [ في الخفين ] وقال عطاء : يلبس الخفين ولا يقطعهما لأنه فساد واللّه لا يحب الفساد ، ومطلق حديث ابن عباس أن الخفين لمن لم يجد النعلين ولم يذكر قطعهما ، وبه قال أحمد ، والاعتبار في هذه المسألة أن القدم صفة إلهية وصف الحق بها نفسه وليس كمثله شيء ، فمن راعى التنزيه وأدركته الغيرة عن الحق في نزوله لما هو من وصف العبد المخلوق قال بلباس الخف غير المقطوع ، لأنه أعظم في الستر ، ومن راعى ظهور ما أظهره الحق لكون الحق أعرف بنفسه من عبده به ونزه نفسه في مقام آخر لم يرد أن يتحكم على الحق بفعله وقال : الرجوع إليه أولى من الغيرة عليه ، فإن الحقيقة تعطي أن يغار له لا عليه ، وما شرع لباس الخفين إلا لمن لم يجد النعلين والنعل واق غير ساتر ، فقال يقطع الخفين وهو أولى . وأما اعتبار من لبسهما مقطوعين مع وجود النعلين فاعلم أنه لما اجتمع الخف مع النعل في الوقاية من أذى العالم الأسفل وزاد الخف الوقاية من أذى العالم الأعلى من حيثما هما عالم لمشترك الدلالة والدلالة تقبل الشبه ، وهو الأذى الذي يتعلق بها ، ولهذا معرفة اللّه بطريق الخبر أعلى من المعرفة به من طريق النظر فإن طريق الخبر في معرفة اللّه إنما جاء بما هي عليه ذاته تعالى ، وطريق الدليل العقلي في معرفة اللّه تعالى إنما جاء بما ليست عليه ذاته تعالى ، فالمعرفة بالدليل العقلي سلبية وبالخبر ثبوتية وسلبية في ثبوت ، فلما كان الخبر أكشف لم يرجح جانب الستر فجعل النعل في الإحرام هو الأصل ، فإنه ما جاء اتخاذ النعل إلا للزينة والوقاية من الأذى الأرضي ، فإذا عدم عدل إلى الخف ، فإذا زال اسم الخف بالقطع ولم يلحق بدرجة النعل لستره ظاهر الرجل فهو لا خف ولا