تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 509

مساهمون:

ص٥٠٩
شرح
حق نفسه فله ذلك ، ومن رأى أن حق النفس أوجب وعاملها معاملة الأجنبي وأنها الجار الأحق فهو بمنزلة من قال لا يحج عن غيره حتى يكون قد حج عن نفسه وهو الأولى في الاتباع وهو المرجوع إليه ، لأنه الحقيقة وذلك أنه إن سعى أولا في حق نفسه فهو الأولى بلا خلاف ، وإن سعى في حق غيره فإن سعيه فيه إنما هو في حق نفسه ، فإنه الذي يجني ثمرة ذلك بالثناء عليه والثواب فيه فلنفسه سعى في الحالتين ، ولكن يسمى بالغير فتى ومؤثرا لتركه فيما يظهر حق نفسه لحق غيره الواجب على ذلك الغير لا عليه ، فإنه في هذا أدى ما لا يجب عليه وجزاء الواجب أعلى من جزاء غير الواجب لاستيفاء عين العبودية في الواجب ، وفي الآخرة رفعة وامتنان حالي على المتفتى عليه فهو قائم في حق الغير بصفة إلهية لأن لها الامتنان وهو في قيام حق نفسه من طريق الوجوب تقيمه صفة عبودية محضة وهو المطلوب الصحيح من العباد . هذا كله ما لم تقع فيه إجارة ، فإن وقعت النيابة بإجارة فلها حكم آخر واللّه أعلم . وأما حج العبد فمن قائل بوجوبه عليه ، ومن قائل لا يجب عليه حتى يعتق ، وبالأول أقول وإن منعه سيده مع القدرة على تركه كان السيد من الذين يصدون عن سبيل اللّه كان أحمد بن حنبل في حال سجنه أيام المحنة إذا سمع النداء بالجمعة توضأ وخرج إلى باب السجن ، فإذا منعه السجان ورده قام له العذر بالمانع من أداء ما وجب عليه ، وهكذا العبد فإنه من جملة الناس المذكورين في الآية اعلم أنه من استرقه الكون فلا يخلو إما أن يكون استرقه بحكم مشروع كالسعي في حق الغير ، والسعي في شكر من أنعم عليه من المخلوقين نعمة استرقه بها ، فهذا عبد لا يجب عليه الحق ، فإنه في أداء واجب حق مشروع يطلب به ذلك الزمان وهو عند اللّه مقيد لغير اللّه في أمر اللّه لأداء حق اللّه ، وإن كان استرقه غرض نفسي وهوى كياني ليس للحق المشروع فيه رائحة وجب عليه إجابة الحق فيما دعاه إليه من الحج إليه في ذلك الفعل ، فإذا نظر إلى وجه الحق في ذلك الغرض كان ذلك عتقه فوجب الحج عليه ، وإن غاب عنه ذلك لغفلة لم يجب عليه وكان عاصيا لمعرفته بأن اللّه خاطبه بالحج مطلقا وإن كان مشهده في ذلك الوقت أنه مظهر والمخاطب بالحج الظاهر فيه ليس عينه لم يوجب الحج عليه ، وهذا العبد المخلص للّه وهذه عبودية لا عتق فيها واللّه أعلم . وأما باعتبار إيجابه على الفور أو على التراخي ، وبالأول أقول مع الاستطاعة ، فاعلم أن الأسماء الإلهية على قسمين في الحكم في العام به من الأسماء ما يتمادى حكمه ما شاء اللّه ويطول ، فإذا نسيته من أوله إلى آخره قلت بالتوسع والتراخي كالواجب الموسع بالزمان ، فكل واجب توقعه في الزمان الموسع فهو زمانه سواء أوقعته في أول الزمان أو في آخره أو فيما بينهما ، فإن الكل زمانه وأديت واجبا فاستصحاب حكم الاسم الإلهي على المحكوم عليه موسع كالعلم في استصحابه للمعلومات وكالمشيئة ، وهكذا المكلف إن شاء فعل في أول وإن شاء فعل في آخر ، ولا يقال هنا : وإن شاء لم يفعل لأن حقيقة فعل أثر وحقيقة لم يفعل استصحاب الأصل فلا أثر فلم يكن للمشيئة هنا حكم عياني ، ومن الأسماء من لا يتمادى حكمه كالموجد فهو بمنزلة من هو على الفور ، فإذا وقع لم يبق له