تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 499

مساهمون:

ص٤٩٩
شديدة ، وأن يملك نفقة من تلزمه نفقته في هذه المدة ، وأن يملك ما يقضي به ديونه ، وأن يقدر على راحلة أو كرائها بمحمل أو زاملة إن استمسك على الزاملة .
شرح
والناس متفاوتون في ذلك ، فالمترفه المعتاد بأكل اللحم ونحوه من الأطعمة المترفهة إذا قدر على ما تيسر من خبز وجبن دون لحم لا يعد قادرا واللّه أعلم . ( وأن يملك نفقة من تلزمه نفقته في هذه المدة ) وهم الأهل لا غير ، ( وأن يملك ما يقضي به ديونه ) يشير إلى اعتبار كون الزاد فاضلا عن الدين ، أما إذا كان حالا فلأنه ناجز والحج على التراخي ، وأما إذا كان مؤجلا فلأنه إذا صرف ما معه إلى الحج فقد يحل الأجل ولا يجد ما يقضي به الدين ، وقد تخترمه المنية فتبقى ذمته مرتهنة ، وفيه وجه أن المدة إن كانت بحيث تنقضي بعد رجوعه من الحج لزمه الحج ، ولو كان ماله دينا في ذمة إنسان نظر إن تيسر تحصيله في الحال بأن كان حالا ومن عليه مليء مقر وعليه بينة فهو كالحاصل في يده ، وإن لم يتيسر بأن كان من عليه منكرا ولا بيّنة عليه أو كان مؤجلا فهو كالمعدوم ، وقد يتوصل المحتال بهذا إلى دفع الحج فيبيع ماله نسيئة إذا قرب وقت الخروج ، فإن المال إنما يعتبر وقت خروج الناس ، ( وأن يقدر على راحلة ) وهي المركب من الإبل ذكرا كان أو أنثى فاعلة بمعنى مفعولة ، ( أو كرائها ) إن لم يقدر على ملكها ( بمحمل ) كمجلس ومنبر الهودج . كذا في المصباح ، أو شق محمل مع شريك ( أو زاملة ) وهو البعير من زملت الشيء إذا حملته سمي به لكونه يحمل متاع المسافر ( إن استمسك ) بقوّة بدنه ( على الزاملة ) . قال الرافعي : الناس على قسمين . أحدهما : من بينه وبين مكة مسافة القصر فلا يلزمه الحج إلا إذا وجد راحلة سواء كان قادرا مع المشي أو لم يكن ، وقال مالك : القادر على المشي يلزمه الحج ماشيا ، فإذا عرفت ذلك فينظر إن كان يستمسك على الراحلة من غير محمل ولا يلحقه ضرر ولا مشقة شديدة ، فلا يعتبر في حقه إلا وجدان الراحلة وإلّا فيعتبر مع وجدان الراحلة وجدان المحمل أيضا . قال في الشامل : وعلى هذا لو كان يلحقه مشقة غليظة في ركوب المحمل اعتبر في حقه الكنيسة وهي أعواد مرتفعة في جوانب المحمل يكون عليها ستر دافع للبرد والحر ، وذكر المحاملي وغيره من العراقيين أن في حق المرأة يعتبر المحمل ، وأطلقوا القول فيه لأنه أستر لها وأليق بها ، ثم العادة جارية بركوب اثنين في المحمل ، فإن وجد مؤونة محمل ووجد شريكا يجلس في الجانب الآخر لزمه الحج ، وإن لم يجد الشريك فلا . أما إذا لم يجد إلّا مؤونة الشق فظاهر ، وأما إذا وجد مؤونة المحمل بتمامه فقد علله في الوسيط بأن بذل الزيادة خسران لا مقابل له أي هي مؤونة مجحفة يعسر احتمالها ، وكان لا يبعد تخريجه على الخلاف في وجوب أجرة البذرقة ، وفي كلام الإمام إشارة إليه . الثاني : فيمن ليس بينه وبين مكة مسافة القصر بأن كان من أهل مكة أو كان بينه وبينها دون مسافة القصر ، فإن كان قويا على المشي لزمه الحج ولم يعتبر في حقه وجدان الراحلة ، وإن كان ضعيفا لا يقوى على المشي أو يناله منه ضرر ظاهر ، فلا بدّ من الراحلة والمحمل أيضا إن لم يمكنه