فبأن يجد نفقة ذهابه وإيابه إلى وطنه - كان له أهل أو لم يكن - لأن مفارقة الوطن
شرح
وفاة حتى لو كانت معتدة عند خروج أهل بلدها لا يجب عليها الحج ، فإن حجت وهي في العدة جاز حجها وكانت عاصية واللّه أعلم .
وأشار المصنف إلى الأمن على المال بقوله : ( ولا عدوّ قاهر ) فلو كان يخاف على ماله في الطريق من عدو أو رصدي لم يلزمه الحج وإن كان الرصدي يرضى بشيء يسير فيلغى ذلك الطريق ، ولا فرق بين أن يكون من يخاف منه مسلمين أو كفارا ويكره بذل المال للرصديين لأنهم يحرصون بذلك على التعرض على الناس ، ولو وجدوا من يبذرقهم بأجرة فهل يلزمهم استئجاره ؟
فيه وجهان ، أظهرهما عند الإمام نعم ، لأن بذل الأجرة بذل مال بحق ورتب عليه لزوم استئجار المحرم على المرأة إذا لم يساعدها بلا أجرة ، وأما أصحابنا فقد اختلفوا في أمن الطريق فقال ابن شجاع : هو من شروط الوجوب لأنه لا يتأتى الحج بدونه ، فصار كالزاد والراحلة وهو مروي عن الإمام لأن الوصول إلى البيت لا يتصوّر بدونه إلا بمشقة عظيمة ، فصار من جملة الاستطاعة .
وكان القاضي أبو حازم يقول : هو شرط الأداء لأنه صلّى اللّه عليه وسلم لما سئل عن الاستطاعة فسّرها بالزاد والراحلة ، ولو كان أمن الطريق من الاستطاعة لبينه لأنه موضع الحاجة إلى البيان ، فلا تجوز الزيادة في شرط العبادة بالرأي ، ولأن هذا من العباد فلا يسقط به الواجب كالقيد من الظالم لا يسقط به خطاب الشرع ، وإن طال بخلاف المرض وثمرة الخلاف تظهر في وجوب الإيصاء ، فمن جعله شرط الأداء يوجبه ، ومن جعله شرط الوجوب لا يوجبه واللّه أعلم .
( وأما في المال فبأن يجد نفقة ذهابه ) من وطنه إلى مكة ( وإيابه ) أي رجوعه منها ( إلى وطنه إن كان له أهل ) وعشيرة ( أو لم يكن له أهل ) وعشيرة هذا أصح الوجهين ، ( لأن مفارقة الوطن شديدة ) فتسرع النفوس إليه لما في الغربة من الوحشة ، والوجه الثاني إن لم يكن له أهل وعشيرة فلا تشترط مؤنة الإياب لأن البلاد في مثل هذا الشخص متقاربة ، ويجري الوجهان في اعتبار الراحلة للإياب ، وهل يختص الوجهان بما إذا لم يملك ببلده مسكنا أم لا ؛ أبدى الإمام احتمالين . ورأى الأظهر التخصيص ، وأغرب أبو عبد اللّه الحناطي فنقل وجها أن مؤنة الإياب لا تعتبر في حق ذي الأهل والعشيرة أيضا . وقال أصحابنا : هل تشترط قدرته على نفقته ونفقة عياله بعد إيابه إلى وطنه ؟ فظاهر الرواية لا . وقيل : لا بدّ من زيادة نفقة يوم ، وقيل شهر . الأوّل رواية عن الإمام ، والثاني عن أبي يوسف واللّه أعلم .
والمراد بالأهل في كلام المصنف من تلزمه نفقتهم لا غير وفي قوله إن لم يكن له أهل لا يمكن الحمل على هؤلاء فحسب إذ ليس ذلك موضع الوجهين ، وإنما الوجهان فيما إذا لم يكن له عشيرة أصلا . كذا ذكره الصيدلاني وغيره لأنه يعظم على الإنسان مفارقة العشيرة ، فلا بدّ من اعتبار الإياب إذا كان الرجل ذا عشيرة . قال الإمام : ولم يتعرض أحد من الأصحاب للمعارف والأصدقاء لأن الاستبدال بهم متيسر ، وقال أصحابنا : المراد بالزاد نفقته ذاهبا وآيبا بلا تقتير ولا إسراف ، والقدرة عليه تثبت بالملك لا بالإباحة قالوا : ويعتبر في كل إنسان ما يصح به بدنه