تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 478

مساهمون:

ص٤٧٨
قطع منه . وقال ابن مسعود رضي اللّه عنه : ما من بلد يؤاخذ فيه العبد بالنية قبل العمل إلّا مكة ، وتلا قوله تعالى :
وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ
[ الحج : 25 ]
شرح
سكر الحال فأقامني من مضجعي في حالة باردة مقمرة فيها رش مطر ، فتوضأت وخرجت إلى الصلاة بانزعاج شديد ، وليس في الطواف أحد سوى رجل واحد فيما أظن واللّه أعلم ، فقبلت الحجر وشرعت في الطواف ، فلما جئت مقابلة الميزاب من وراء الحجر نظرت إلى الكعبة فرأيتها فيما خيل لي قد شمرت أذيالها واستعدت إذا وصلت بالطواف إلى الركن الشامي ، أن تدفعني بنفسها وترمي بي عن الطواف بها فجزعت جزعا شديدا ، وأظهر اللّه لي فيها حرجا وغيظا بحيث لم أقدر على البراح من موضعي ذلك وتسترت بالحجر ليقع الضرب منها عليه جعلته كالمجن بيني وبينها وأسمعها واللّه هي تقول لي تقدم حتى ترى ما أصنع بك ، كم تضع من قدري وترفع من قدر بني آدم ، وتفضل العارفين علي وعزة من له العزة لا تركتك تطوف بي فرجعت إلى نفسي ، وعلمت أن اللّه يريد تأديبي فشكرت اللّه على ذلك ، وزال جزعي الذي كنت أجده وهي واللّه فيما تخيل لي قد ارتفعت عن الأرض بقواعدها مشمرة الأذيال كما يشمر الإنسان إذا أراد أن يثب من مكان يجمع عليه ثيابه ، هكذا خيلت لي قد جمعت ثيابها عليها لتثب علي وهي في صورة جارية لم أر أحسن منها ولا يتخيل أحسن ، فارتجلت أبياتا في الحال أخاطبها بها وأستنزلها عن ذلك الحرج الذي عاينته فيها ، فما زلت أثني عليها في تلك الأبيات وهي تتسع وتنزل بقواعدها إلى مكانها وتظهر السرور بما أسمعها إلى أن عادت على حالها كما كانت وأمنتني ، وأشارت إلي بالطواف فرميت نفسي على المستجار وما في مفصل إلا وهو يضطرب من قوة الحال إلى أن سري عني وصالحتها وأودعتها شهادة التوحيد عند تقبيل الحجر فخرجت الشهادة في صورة سلك ، وانفتح في الحجر الأسود مثل الطاق حتى نظرت إلى قعر طول الحجر ، فرأيته نحو ذراع ورأيت الشهادة قد صارت مثل الكبة ، واستقرت في قعر الحجر وانطبق الحجر عليها وانسد ذلك الطاق وأنا أنظر اليه ، فقالت لي : هذه أمانة عندي أرفعها لك إلى يوم القيامة ، فشكرتها على ذلك . ومن ذلك الوقت وقع الصلح بيني وبينها وخاطبتها بتلك الرسائل السبعة فزادت بي فرحا وابتهاجا واللّه أعلم . ثم قال صاحب القوت واتق الهمم الردية والأفكار الدنية ، فإنه يقال : إن العبد يؤاخذ بالهمة في ذلك البلد . ( وقال ابن مسعود ) رضي اللّه عنه : ( ما من بلد يؤاخذ العبد فيه بالهمة ) وفي نسخة بالنية ، ولفظ القوت بالإرادة ( قبل العمل إلا مكة ) ولفظ القوت إلا بمكة ، وقال أيضا : لو هم العبد بعدن أبين أن يعمل سوءا بمكة عاقبه اللّه ( وتلا ) ولفظ القوت ثم تلا ( قوله عز وجل :وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ[ الحج : 25 ] أي أنه على مجرد الإرادة ) ولفظ القوت يعني أنه علق العذاب بالإرادة دون الفعل . وقوله الثاني : لو هم العبد بعدن أبين أخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع عن سفيان ، عن السدي ،