الثالث : الخوف من ركوب الخطايا والذنوب بها فإن ذلك مخطر ، وبالحري أن يورث مقت اللّه عز وجل لشرف الموضع . وروي عن وهيب بن الورد المكي قال :
شرح
نصه : وحدثني شيخ لنا عن أبي علي الكرماني رحمه اللّه تعالى شيخنا بمكة ، وكان من الأبدال إلا أني ما سمعت منه هذه الحكاية قال : سمعته يقول : رأيت الكعبة ذات ليلة تطوف بشخص من المؤمنين ، وقال لي هذا الشيخ ربما نظرت إلى السماء واقعة على سطح الكعبة قد ماستها الكعبة ولزقت بها اه .
وقال الشيخ الأكبر : ولقد نظرت يوما إلى الكعبة وهي تسألني الطواف بها وزمزم تسألني التضلع من مائها رغبة في الاتصال بنا فخفنا من الحجاب بهما لعظيم مكانتهما عما نحن عليه من حال القرب الإلهي في معرفتنا ، فقلت لهما ، أخاطب كل واحد منهما : يا كعبة اللّه ويا زمزمه كم تسألان الوصل ، ثم إن كان وصلي بكما واقعا فرحمة لا رغبة فيكم وذكر عدة أسماء على هذا النمط .
( الثالث : الخوف من ركوب الخطايا والذنوب فإن ذلك مخطر ) أي أمر خطر وفي بعض النسخ مخطور ، ( وبالحري أن يورث ) ذلك ( مقت اللّه تعالى ) وسخطه ( لشرف الموضع ) ورفعة قدره عند اللّه تعالى .
وهذه المعاني الثلاثة ذكرهن صاحب القوت عن السلف إجمالا .
وقد حكي في استحباب المجاورة ما روي عن سهل بن عبد اللّه التستري رحمه اللّه تعالى قال :
كان عبد اللّه بن صالح رجل له سابقة جليلة ، وكان يفر من الناس من بلد إلى بلد حتى أتى مكة فطال مقامه بها فقلت له : لقد طال مقامك بها . فقال لي : ولم لا أقيم بها ولم أجد بلدا تنزل فيه الرحمة والبركة أكثر من هذا البلد والملائكة تغدو فيه وتروح ، وإني أرى فيه أعاجيب كثيرة وأرى الملائكة يطوفون به على صور شتى ما يقطعون ذلك ، ولو قلت لك كل ما رأيت لقصرت عنه عقول قوم ليسوا بمؤمنين . فقلت : أسألك باللّه ألا أخبرتني بشيء من ذلك . فقال : ما من ولي للّه عز وجل صحت ولايته إلا وهو يحضر هذا البلد في كل جمعة ولا يتأخر عنه ، فمقامي ههنا لأجل من أراه منهم ، ولقد رأيت رجلا يقال له مالك بن القاسم صلى وقد جاء وفي يده غمرة فقلت :
إنك قريب عهد بالأكل ، فقال : استغفر اللّه فإنني منذ أسبوع لم آكل ، ولكن أطعمت والدتي وأسرعت لألحق الصلاة وبينه وبين الموضع الذي جاء سبعمائة فرسخ ، فهل أنت مؤمن ؟ فقلت :
نعم . فقال : الحمد للّه رب العالمين أراني مؤمنا موقنا . كذا في مثير العزم لابن الجوزي .
وعن إبراهيم قال : كان الاختلاف إلى مكة أحب إليهم من المجاورة ، وعن الشعبي قال : لم يكن أحد من المهاجرين والأنصار يقيم بمكة ذكرهما سعيد بن منصور ، وكره أبو حنيفة الجوار بها خوف الملل وقلة الاحترام لمداومة الأنس بالمكان ، وخوف ارتكاب ذنب هنالك ، وتهييجا للشوق بسبب الفراق . قال عمر والزجاجي : من جاور بالحرم وقلبه متعلق بشيء سوى اللّه تعالى فقد ظهر خسرانه ، ولم يكرهها أحمد في جماعة وقالوا : انها فضيلة وما يخاف من ذنب فيقابل بما يرجى لمن أحسن من تضعيف الثواب ، وقد نزل بها من الصحابة أربعة وخمسون رجلا واللّه أعلم .