وما وضع جنبه على الأرض وللمنع من الإقامة كره بعض العلماء أجور دور مكة . ولا تظنن أن كراهة المقام يناقض فضل البقعة لأن هذه كراهة علتها ضعف الخلق وقصورهم عن القيام بحق الموضع ، فمعنى قولنا ان ترك المقام به أفضل أي بالإضافة إلى مقام مع التقصير والتبرم ، أما أن يكون أفضل من المقام مع الوفاء بحقه فهيهات !
شرح
عبد العزيز وغيرهما يضرب أحدهم فسطاطين فسطاطا في الحرم وفسطاطا في الحل ، فإذا أراد أن يصلي أو يعمل شيئا من الطاعات دخل فسطاط الحرم ليدرك فضل المسجد الحرام ، لأن المسجد الحرام عندهم في جميع ما نذكر إنما هو الحرم كله ، وإذا أراد أن يأكل أو يكلم أهله أو يتغوط خرج إلى فسطاط الحل ، ويقال : إن الحجاج في سالف الدهر كانوا إذا قدموا مكة خلعوا نعالهم بذي طوى تعظيما للحرم ، وقد سمعنا من لم يتغوط ولا يبول في الحرم من المقيمين بمكة ، ورأينا بعضهم لا يتغوط ولا يبول حتى يخرج إلى الحل تعظيما لشعائر اللّه تعالى وتنزيها لحرمه .
قلت : وفعل عبد اللّه بن عمرو من اتخاذ الفسطاطين أخرجه أبو ذر الهروي .
وخلع النعال بذي طوى نقله الطبري عن ابن الزبير قال : إذا كانت الأمة من بني إسرائيل لتقدم مكة ، فإذا بلغت ذا طوى خلعت نعالها تعظيما للحرم .
وأخرج ابن الحاج في منسكه عن عياش بن ربيعة ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : لا تزال هذه الأمة بخير ما عظمت هذه الحرمة حق تعظيمها للّه عز وجل - يعني الكعبة والحرم - فإن ضيعوا هلكوا » .
( وللمنع من الإقامة كره بعض العلماء أجور دور مكة ) . وكان ابن عباس يقول : البيوت بيوت مكة حرام ، ولا تقوم الساعة حتى يستحل الناس اثنين إتيان النساء في أدبارهن وأجور بيوت مكة . وكان الثوري ، وبشر ، وجماعة من الفقهاء وأهل الورع يكرهون أن يدفع الرجل كراء بيوت مكة ، حتى قال الثوري : إذا طالبوك ولم يكن بدّ من أن تعطيهم فخذ لهم من البيت قيمة ما أخذوه منك كذا في القوت .
وأخرج سعيد بن منصور ، عن مجاهد رفعه « إن مكة حرم حرمها اللّه تعالى لا يحل بيع رباعها ولا أجور بيوتها » .
وأخرج أيضا عن ابن جريج قال : إني قرأت كتاب عمر بن عبد العزيز ينهى عن كراء بيوت مكة .
( ولا تظنن أن كراهة المقام يناقض فضل البقعة لأن هذه كراهة علتها ضعف الخلق وقصورهم عن القيام بحق الموضع ) من الآداب ، ( فمعنى قولنا ان ترك المقام بها أفضل أي بالإضافة إلى مقام ) أي إقامة ( مع التقصير ) عن أداء حق الموضع ( والتبرم ) أي التضجر ( فأما أن يكون أفضل من المقام مع الوفاء بحق البقعة فهيهات ) أي بعيد ، ( وكيف لا . ولما