كنت ذات ليلة في الحجر أصلّي فسمعت كلاما بين الكعبة والأستار يقول : إلى اللّه أشكو ثم إليك يا جبرائيل ما ألقى من الطائفين حولي من تفكههم في الحديث ولغوهم ولهوهم ، لئن لم ينتهوا عن ذلك لانتفضن انتفاضة يرجع كل حجر مني إلى الجبل الذي
شرح
( وروي عن وهيب بن الورد المكي ) الزاهد . ثقة ، روى له مسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي تقدمت ترجمته قريبا ( قال : كنت ذات ليلة في الحجر ) بكسر الحاء المهملة وسكون الجيم هو الموضع المحجور عن البيت ويسمى الحطيم ( أصلي فسمعت كلاما ) خفيا ( بين الكعبة والأستار يقول إلى اللّه أشكو ثم إليك يا جبريل ما ألقى ) هو مفعول أشكو ( من الطائفين حولي من تفكههم في الحديث ) أي الدنيوي أي انبساطهم فيه ( ولغوهم ) هو الكلام الباطل ( ولهوهم ، لئن لم ينتهوا عن ذلك لانتفض انتفاضة ) أي أتحرك حركة بعنف ( يرجع كل حجر مني إلى الجبل الذي قطع منه ) هكذا أورده صاحب القوت ، وأخرجه الأزرقي في نحو من ذلك في تاريخ مكة تحت الميزاب بعد العشاء الأخيرة ، فسمعت من تحت الأستار : إلى اللّه أشكو وإليك يا جبريل ما ألقى من الناس من التفكه حولي من الكلام .
وأخرجه أبو بكر بن سدي في مسألة الطائفين بلفظ : إليك يا جبريل أشكو إلى اللّه ثم إليك ما يفعل هؤلاء الطائفون حولي من تفكههم في الحديث ولغطهم وسهوهم . قال وهيب : فأولت أن البيت شكا إلى جبريل .
وأخرج أبو بكر الآجري في مسألته وابن الجوزي في مثير العزم عن علي بن الموفق يخبر عن نفسه أو عن غيره أنه رقد في الحجر فسمع البيت يقول : لئن لم ينته الطائفون حولي عن معاصي اللّه لأصرخن صرخة أرجع إلى المكان الذي جئت منه ، وقد علم من هذه السياقات أن الذي أورده المصنف تبعا لصاحب القوت هو مركب من كلام وهيب وابن الموفق .
وقال الشيخ الأكبر : وكانت بيني وبين الكعبة في زمان مجاورتي بها مراسلة وتوسلات ومعاتبة دائما ، وقد ذكرت ما بيني وبينها من المخاطبات في جزء سميناه [ تاج الرسائل ومنهاج الوسائل ] تحوي فيما أظن على سبع رسائل من أجل السبعة الأشواط لكل شوط رسالة مني إلى الصفة الإلهية التي تتجلى لي في ذلك الشوط ، ولكن ما عملت من تلك الرسائل ولا خاطبتها بها إلا لسبب حادث ، وذلك أني كنت أفضل عليها نشأتي وأجعل مكانتها في مجلى الحقائق دون مكانتي ، واذكرها من حيثما هي نشأت جمادية في أول درجة من المولدات ، وأعرض عما خصها اللّه من علو الدرجات ، وذلك لأرقى همتهما ولا تحجب بطواف الرسل والأكابر بذاتها وتقبيل حجرها ، فإني على بينة من ترقي العوالم علوها وسفلها مع الأنفاس لاستحالة ثبوت الأعيان على حالة واحدة ، فإن الأصل الذي ترجع إليه جميع الموجودات وهو اللّه وصف نفسه بأنهكُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ،فمن المحال أن يبقى شيء في العالم على حالة واحدة زمانية فتختلف الأحوال عليه لاختلاف التجليات بالشؤون ، وكان ذلك مني في حقها لغلبة حال عليّ فلا شك أن الحق أراد أن ينبهني على ما أنا من