تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 454

مساهمون:

ص٤٥٤
قال اللّه عز وجل :
وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ
[ الحج : 27 ] وقال قتادة : لما أمر اللّه عز وجل إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلم وعلى نبينا
شرح
بل يقول : إن من مات ولم يحج أثم في آخر عمره ، فحصل الإشكال . ثم إن القائل بالفور لا يجزم بالمعيارية ، والقائل بالتراخي لم يجزم بالظرفية ، بل كل منهما يجوز الجهتين ، لكن القائل بالفور يرجح جهة المعيارية ويوجب أداءه في العام الأول حتى لو أخره عنه بلا عذر أثم لتركه الواجب ، لكن لو أداه في العام الثاني كان أداء لا قضاء ، والقائل بالتراخي يرجح جهة الظرفية ، حتى لو أداه بعد العام الأول لا يأثم بالتأخير ، لكن لو أخّره فمات ولم يحج أثم في آخر عمره . وقال بعض أصحابنا المتأخرين : والمعتمد أن الخلاف في هذه المسألة ابتدائي ، فأبو يوسف عمل بالاحتياط لأن الموت في سنته غير نادر فيأثم ، ومحمد حكم بالتوسع لظاهر الحال في بقاء الإنسان واللّه أعلم . وممن قال : إن الحج على التراخي الشافعي والثوري والأوزاعي ، وممن قال على الفور مالك وأحمد . وكان الكرخي يقول : هو مذهب أبي حنيفة . وإذ قد فرغنا عن ذكر المهمات فلنعد إلى شرح كلام المصنف رحمه اللّه تعالى قال : ( قال اللّه عز وجل :وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ )[ الحج : 27 ] الخطاب في الآية لإبراهيم عليه السلام ، وروى ابن جرير عن ابن عباس في قوله :رِجالًاأي مشاة ومِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍأي طريق بعيد . وفي روايةرِجالًاأي على أرجلهموَعَلى كُلِّ ضامِرٍقال الإبل :يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍيعني مكان بعيد . وروي عن مجاهد وأبي العالية وقتادة مثل ذلك . وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله :يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍقال : هم المشاة والركبان . وأخرج ابن أبي شيبة ، وأبو سعيد ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي عن ابن عباس قال : ما آسى على شيء فاتني إلا أني لم أحج ماشيا حتى أدركني الكبر أسمع اللّه تعالى يقول :يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍفبدأ بالرجال قبل الركبان . وأخرج عبد الرزاق ، وابن جرير عن مجاهد قال : كانوا يحجون ولا يتزوّدون فأنزل :وَتَزَوَّدُوا[ البقرة : 197 ] الآية . وكانوا يحجون ولا يركبون فأنزل اللّه :يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍفأمرهم بالزاد ورخص في الركوب والمتجر . ( قال قتادة ) بن دعامة أبو الخطاب السدوسي الأعمى التابعي الحافظ : ( لما أمر اللّه عز وجل