شرح
عن الإقامة بالموضع الذي أقام فيه ، فإن خرج فليس بمعتكف ، ولا يثبت فيه عندي الاشتراط .
وقد ثبت عن عائشة رضي اللّه عنها أن السنّة للمعتكف أن لا يشهد جنازة ولا يعود مريضا ، فاعلم أن الإقامة مع اللّه إذا كانت باللّه فله التصدق في جميع أعمال البر المختصة بمكانه الذي اعتكف فيه ، والخارجة عنه التي يخرجه فعلها عن مكانه ، فإن اللّه يقول :وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ[ الحديد :
4 ] وإذا كانت الإقامة بنفسك للّه فقد عينت مكانا فتلزمها به حتى يتجلى لك في غيرها التزمتها به فافهم .
وأما المكان الذي يعتكف فيه فاعلم أن المساجد بيوت اللّه مضافة إليه ، فمن استلزم الإقامة فيها فلا ينبغي له أن يصرف وجهه لغير رب البيت فإنه سوء أدب فإنه لا فائدة للاختصاص بإضافتها إلى اللّه ، إلّا أن يخالطها شيء من حظوظ الطبع ، ومن أقام مع اللّه في غير البيت الذي أضافه لنفسه جاز له مباشرة أهله إلا في حال صومه في اعتكافه إن كان صائما ، ومباشرة المرأة رجوع العقل من حال العقل عن اللّه إلى مشاهدة النفس سواء جعلها دليلا أو غير دليل ، فإن جعلها دليلا فالدليل والمدلول لا يجتمعان فلا تصح الإقامة مع اللّه وملابسة النفس ، وأعلى الرجوع إلى النفس وملابستها أن يلابسها دليلا ، وأما إن لم يلابسها دليلا فلم يبق إلا شهوة الطبع ، فلا ينبغي للمعتكف أن يباشر النساء في مسجد كان أو في غير مسجد ، ومن كان مشهده سريان الحق في جميع الموجودات وأنه الظاهر في مظاهر الأعيان وأن باقتداره واستعداداتها كان الوجود للأعيان رأى أن ذلك نكاح ، فأجاز مباشرة المعتكف للمرأة إذا لم تكن في مسجد . فإن هذا المشهد لا يصح فيه أن يكون للمسجد عين موجودة فإنه لا يرى في الأعيان من حالته هذه إلا اللّه ، فلا مسجد أي لا موضع تواضع ولا تطأطؤ فافهم .
وأما تعيين الوقت الذي يدخل فيه من يريد الاعتكاف إلى المكان الذي يقيم فيه . اعلم أن المعتكف وهو المقيم مع اللّه دائما لا يصح له ذلك إلا بوجه خاص ، وهو أن يشهده في كل شيء هذا هو الاعتكاف العام المطلق ، وثم اعتكاف آخر مقيد يعتكف فيه مع اسم مّا إلهي يتجلى له ذلك الاسم بسلطانه فيدعوه للإقامة معه واعتبار مكان الاعتكاف في المعاني هو المكانة وما ثم اسم إلهي وهو بين اسمين إلهيين لأن الأمر الإلهي دوري ، ولهذا لا يتناهى أمر اللّه في الأشياء فإن الدائرة لا أوّل لها ولا آخر إلا بحكم الفرض فلهذا أخرج العالم مستديرا على صورة الأمر الذي هو عليه في نفسه حتى في الاشكال ، ولما كان التجلي الأعظم العام يشبه طلوع الشمس ، ومع تجلي الشمس يكون الاعتكاف العام . قيل للمعتكف مع اسم ما إلهي ادخل معتكفك في وقت ظهور علامة التجلي الأعظم الذي هو طلوع الفجر حتى لا يقيدك هذا الاسم الإلهي الذي أقمت معه ، أو تريد الإقامة معه عن التجلي الأعظم وهو طلوع الشمس ، فتجمع في اعتكافك بين التقييد والإطلاق .
ثم اعلم أن الإقامة مع اللّه إنما هو أمر معنوي لا أمر حسي ، فلا يقام مع اللّه إلا بالقلب ويقام