شرح
الثانية : في الحديث فترجله أي تسرح وهو على حذف مضاف أي شعر رأس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ففيه محذوفان كما قيل في قوله تعالى :فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ[ طه : 96 ] أي من أثر حافر فرس الرسول . وقال في النهاية تبعا للهروي : الترجيل تسريح الشعر وتنظيفه وتحسينه . وقال في المشارق : رجل شعره أي مشطه وأرسله ، ثم قال قال الجوهري : الترجيل بل الشعر ثم يمشط .
قلت : ليس هو في الصحاح ، وجزم به ابن عبد البر .
الثالثة : فيه استحباب تسريح الشعر ، وإذا لم يترك النبي صلّى اللّه عليه وسلم ذلك في زمن الاعتكاف مع قصره واشتغاله بالعبادة ففي غيره أولى .
الرابعة : لفظ الحديث متعين لتسريح شعر الرأس ، وفي بعض ألفاظ هذا الحديث ما يدل على احتمال تسريح شعر اللحية أيضا . وروى الترمذي في الشمائل بإسناد ضعيف من حديث أنس « أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم كان يكثر دهن الرأس وتسريح لحيته » لكن ما كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم يكل تسريح لحيته إلى أحد ، وإنما كان يتعاطى ذلك بنفسه بخلاف شعر الرأس ، فإنه يعسر مباشرة تسريحه ولا سيما في مؤخره ، فلذا كان يستعين بزوجاته .
الخامسة : فيه أن الاشتغال بتسريح الشعر لا ينافي الاعتكاف ، قال الخاطبي : وفي معناه حلق الرأس ، وتقليم الأظفار ، وتنظيف البدن من الشعث والدرن اه .
ويؤخذ من ذلك فعل سائر الأمور المباحة كالأكل والشرب ، وكلام الدنيا ، وعمل الصنعة من خياطة وغيرها ، وصرح به أصحاب الشافعي وأصحابنا كما تقدم . وعن مالك رحمه اللّه تعالى أنه لا يشتغل في مجالس العلم ولا يكتبه وإن لم يخرج من المسجد ، والجمهور على خلافه . وهذا الحديث يرد عليه فإن الاشتغال بالعلم وكتابته أهم من تسريح الشعر ، وقد تقدم ذلك أيضا .
السادسة : فيه أن مماسة المعتكف النساء ومماستهن له إذا كان ذلك من غير شهوة لا ينافي اعتكافه وهو كذلك بلا خلاف ، فإن كان بشهوة فهو حرام ، وهل يبطل الاعتكاف ؟ ينظر فإن اقترن به إنزال أبطل الاعتكاف ، والّا فلا . هذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم . وقال مالك : يبطل به وإن لم ينزل ، وأما الجماع في الاعتكاف فهو حرام مفسد له بالإجماع مع التعمد ، فإن كان ناسيا فقال الشافعي : لا يفسد . وقال مالك ، وأبو حنيفة ، وأحمد : يفسد . وقد تقدم ذلك أيضا .
السابعة : قال ابن عبد البر فيه : إن اليدين من المرأة ليستا بعورة ولو كانتا عورة ما باشرته بهما في اعتكافه لأن المعتكف ينهى عن المباشرة قال اللّه عز وجل :وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ[ البقرة : 187 ] واعترضه الحافظ العراقي في شرح الترمذي فقال : إن كانت المباشرة المنهي عنها تختص بالعورة ، فلو قبل المعتكف لم يكن بذلك آتيا لما نهي عنه ، لأن الوجه ليس بعورة