شرح
والبركة ، فالناس كلهم في بركة زكاة كل يوم من زكى فيه ومن لم يزك ، وإنما محى نور الشمس في صبيحة ليلتها إعلاما بأن الليل زمان إتيانها والنهار زمان ظهور أحكامها ، فلهذا تستقبل ليلا تعظيما لها حيث استقبلت لذاتها ، ولهذا قالهِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ[ القدر : 5 ] أي إلى مطلع الفجر ، فذلك القدر الذي يتميز به حد الليل من النهار بالفجر الطالع ما هو ذلك الفجر إلا من نور الشمس ظهر في جرم القمر ، فلو كان نور القمر من ذاته لكان له شعاع كما هو للشمس ، ولما كان مستعارا من الشمس لم يكن له شعاع ، كذلك الشمس لها من نور ذاتها شعاع ، فإذا محت ليلة القدر شعاع الشمس بقيت الشمس كالقمر لها ضوء في الموجودات من غير شعاع مع وجود الضوء ، فذلك الضوء نور ليلة القدر حتى تعلو قيد رمح أو أقل من ذلك ، فحينئذ يرجع إليها نورها فترى الشمس تطلع في صبيحة ليلة القدر كأنها طاس ليس لها شعاع مع وجود الضوء مثل طلوع القمر لا شعاع له ، ثم جعلها صلّى اللّه عليه وسلم في الوتر من الليالي دون الشفع لأنه انفرد بها الليل دون النهار ، فإنه وتر من اليوم واليوم شفع فإنه ليل ونهار ، ولمعنى آخر أيضا وهو أن الطلب إذا كان في ليالي وتر الشهر كان الوتر شاهدا لهذا العبد لما تعطيه هذه الليلة من البركات والخير ، وهو في وتر من الزمان المذكر له وترية الحق ، فيضيف ذلك الخير إلى اللّه لا إلى الليلة وإن كانت سببا في حصوله ، ولكن عين شهود الوتر يحفظه من نسبة الخير لغير اللّه مع ثبوت السبب عنده ، فلو كانت في ليلة شفع وهي سبب لم يكن لهذا العبد من يذكره تذكير حال في وقت التماسه إياها أو في شهوده إياها إذا عثر عليها ، فكان محصلا للخير من يد غير أهله فيكون صاحب جهل وحجاب في أخذ ذلك الخير ، فما كان يقاوم ما حصل له فيها من الخير ما حصل له من الحرمان والجهل بحجابه عن معطي الخير ، فلهذا أيضا جعلت في أوتار الليالي فاعلم .
وجعلت في العشر الأواخر لأنها نور والنور شهادة وظهور ، فهو بمنزلة النهار إذ سمي النهار لاتساع النور فيه ، والنهار متأخر عن الليل لأنه مسلوخ منه ، والعشر الآخر متأخر عن العشر الوسط والأول ، فكان ظهورها والتماسها في المناسب الأقرب أقوى من التماسها في المناسب الأبعد ، وما رأيت أحدا رآها في العشر الأول ، ولا نقل إلينا وإنما تقع في العشر الوسط والآخر .
خرّج مسلم عن أبي سعيد قال : « اعتكف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم العشر الأوسط من رمضان يلتمس ليلة القدر » ، وكذلك التجلي الإلهي ما ورد قط في خبر نبوي صحيح ولا سقيم ان اللّه يتجلى في الثلث الأول من الليل وقد ورد أنه يتجلى في الثلث الأوسط والآخر من الليل ولم يكن في الثلث الأول .
ثم قال المصنف رحمه اللّه تعالى : ( والتتابع في هذا الاعتكاف أولى ، فإن نذر اعتكافا ) فإما أن يطلق أو يقدر مدة ، وعلى الثاني إما أن يطلقها أو يعينها .
الحالة الأولى : أن يطلقها فينظر إن اشترط تتابعا لزمه كما لو اشترط التتابع في الصوم ، وإن لم يشترطه لم يلزمه التتابع ، وخرج ابن سريج قولا انه يلزم ، وبه قال مالك وأبو حنيفة