شرح
وحكى البيهقي في المعرفة عن الشافعي في القديم أنه قال : وكأني رأيت واللّه أعلم أقوى الأحاديث فيه ليلة إحدى وعشرين وليلة ثلاث وعشرين اه .
وذهب جماعة من العلماء أنها تنتقل فتكون سنة في ليلة وسنة في ليلة أخرى ، وهكذا رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن أبي قلابة ، وهو قول مالك وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور وغيرهم ، وعزاه ابن عبد البر في الاستذكار للشافعي ولا نعرفه عنه ، ولكن قال به من أصحابه المزني وابن خزيمة وهو المختار عند النووي وغيره ، واستحسنه ابن دقيق العيد للجمع بين الأحاديث الواردة في ذلك فإنها اختلفت اختلافا لا يمكن معه الجمع بينها إلا بذلك ، وإذا فرعنا على انتقالها فعليه أقوال .
أحدها : أنها تنتقل فتكون إما ليلة الحادي والعشرين أو الثالث والعشرين أو الخامس والعشرين .
الثاني : أنها في ليلة الخامس والعشرين أو السابع والعشرين ، أو التاسع والعشرين ، وكلاهما في مذهب مالك ، قال ابن الحاجب : وقول من قال من العلماء انها في جميع العشر الأواخر أو في جميع الشهر ضعيف .
الثالث : أنها تنتقل في العشر الأواخر ، وهذا قول من قال بانتقالها من الشافعية .
الرابع : أنها تنتقل في جميع الشهر ، وهو مقتضى كلام الحنابلة . قال ابن قدامة في المغنى :
يستحب طلبها في جميع ليالي رمضان ، وفي العشر الأواخر آكد ، وفي ليالي الوتر منه آكد ، ثم حكى قول أحمد هي في العشر الأواخر في وتر من الليالي لا تخطئ إن شاء اللّه تعالى ، ومقتضاه اختصاصها بأوتار العشر الأخير ، فإذا انضم إليه القول بانتقالها صار هذا قولا خامسا على الانتقال ، فتضم هذه الأقوال الخمسة لما تقدم . وقال ابن العربي بعد حكايته ثلاثة عشر قولا مما حكيناه الصحيح منها أنها لا تعلم اه .
وهو معنى قول أهل العلم أخفى اللّه تعالى هذه الليلة على عباده لئلا يتكلوا على فضلها ويقصروا في غيرها ، فأراد منهم الجد في العمل أبدا اه .
وهذا يحسن أن يكون قولا مستقلا وهو الكف عن الخوض فيها ، وأنه لا سبيل إلى معرفتها ، وقال ابن حزم : هي في العشر الآخر في ليلة واحدة بعينها لا تنتقل أبدا إلا أنه لا يدرى أي ليلة هي منه إلا أنها في وتر منه ، ولا بد فإن كان الشهر تسعا وعشرين فأول العشر الأواخر ليلة عشرين منه ، فهي إما ليلة عشرين ، وإما ليلة اثنين وعشرين ، وإما ليلة أربع وعشرين ، وإما ليلة ست وعشرين ، وإما ليلة ثمان وعشرين ، لأن هذه الأوتار من العشر ، وإن كان الشهر ثلاثين ، فأول العشر الأواخر ليلة إحدى وعشرين ، فهي إما ليلة إحدى وعشرين ، وإما ليلة ثلاث وعشرين ، وإما ليلة خمس وعشرين ، وإما ليلة سبع وعشرين ، واما ليلة تسع وعشرين لأن هذه