تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 392

مساهمون:

ص٣٩٢
شرح
أوتار العشر بلا شك ، ثم ذكر كلام أبي سعيد المتقدم ، وحمله على أن رمضان كان تسعا وعشرين وهو مسلك غريب بعيد . فصل وفي كتاب الشريعة للشيخ الأكبر قدس سره : اعلم أن القائمين في رمضان في قيامهم على خاطرين : منهم القائم لرمضان ، ومنهم القائم لليلة القدر التي هي خير من ألف شهر ، والناس فيها على خلاف ، فمنهم من قال إنها في السنة كلها تدور ، وبه أقول فإني رأيتها مرتين في شعبان في ليلة النصف منه ، وفي ليلة تسعة عشر منه بالبيت المقدس ، كما أني قد رأيتها في ليلتين في العشر الأوسط من شهر رمضان في ليلة ثلاثة عشر ، وفي ليلة ثمانية عشر فما ندري لشيء كان في رؤية الهلال ، فوقع الأمر على خلاف الرؤية . أم تكون أيضا في ليلة سبع من الشهر ، وقد رأيتها في كل وتر من العشر الأخير من شهر رمضان فأنا على يقين من أنها في السنة تدور وهي في رمضان أكثر وقوعا على ما رأيت واللّه أعلم . واعلم أن ليلة القدر إذا صادفها العبد هي خير له فيما ينعم اللّه به عليه من ألف شهر إن لو لم يكن إلا واحدة في ألف شهر ، فكيف وهي في كل سنة ، هذا معنى غريب لم يطرق أسماعكم إلا في هذا النص ، ثم يتضمن معنى آخر وهو أنها خير من ألف شهر من غير تحديد ، وإذا كان الزائد على ألف شهر غير محدود فلا يدري حيث ينتهي فيما جعل اللّه أنها تقاوم ألف شهر ، بل جعلها خيرا من ذلك أي أفضل من غير توقيت ، فإذا نالها العبد كان كمن عاش في عبادة ربه أكثر من ألف شهر من غير توقيت ، كمن يتعدى العمر الطبيعي إذا وقع فيه وقع في العمر المجهول ، وإن كان لا بد له من الموت ولكن لا يدري هل تقدمه العمر الطبيعي بنفس واحد أو بالألف سنين ، فهكذا ليلة القدر إذا لم تكن محصورة كما قدمنا . واعلم أن ليلة القدر هي ليلة يفرق فيها كل أمر حكيم فينزل الأمر إليها علينا واحدة ، ثم يفرق فيها بحسب ما يعطيه من التفاصيل فهي ليلة مقادير الأشياء والمقادير ما تطلب سوانا ، فلهذا أمرنا بطلب ليلة القدر لنستقبلها كما نستقبل المسافر إذا جاء من سفره ، فلا بد له من هدية لأهله الذين يستقبلونه ، فإذا استقبلوه دفع إليهم ما كان قد استعده من تلك المقادير ، فمنهم من يكون هديته لقاء ربه ، ومنهم من يكون هديته التوفيق الإلهي والاعتصام ، وكل على حسب ما أراد المقدر أن يهبه ويعطيه لا تحجير عليه في ذلك ، وعلامتها محق الأنوار بنورها وجعلها دائرة في الشهور حتى يأخذ كل شهر منها قسطه ، كما جعل رمضان يدور في الشهور الشمسية حتى يأخذ كل شهر من الشهور الشمسية فضيلة رمضان ، فيعم فضل رمضان فصول السنة ، وكذلك الحج ، وكذلك الزكاة فإن حولها ليس بمعين إنما هو من وقت حصول المال عنده ، فما من يوم في السنة إلا وهو رأس حول لصاحب مال ، فلا تنفك السنة إلا وأيامها كلها محل للزكاة وهي الطهارة