تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
شرح
اعلم أن النية القصد وشهر رمضان لا يأتي بحكم القصد من الإنسان الصائم ، فمن راعى أن الصوم للّه لا للعبد قال بالنية في الصوم ، فإنه ما جاء شهر رمضان إلا بإرادة الحق من الاسم الإلهي رمضان ، والنية إرادة بلا شك ، ومن راعى أن الحكم للوارد وهو شهر رمضان فسواء نواه الصائم الإنسان أو لم ينوه ، فإن حكمه الصوم ، فليست النية شرطا في صحة صومه ، فإن لم يجب عليه مع كونه ورد كالمريض والمسافر صار حكمهما بين أمرين على التخيير ، فلا يمكن أن يعدل إلى أحد الأمرين إلا بقصد منه وهو النية . اعتبار تعيين النية المجزئة في ذلك قال تعالى :قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى[ الاسراء : 110 ] فالحكم للمدعو بالأسماء الإلهية لا للأسماء ، فإنها وإن تفرقت معانيها وتميزت فإن لها دلالة على ذات معينة في الجملة وفي نفس الأمر ، وإن لم تعلم ولا يدركها أحد ، فإنه لا يقدح ذلك في إدراكنا وعلمنا إن ثم ذاتا تنطلق عليها هذه الأسماء ، كذلك الصوم هو المطلوب ، سواء كان مندوبا أو واجبا على كثرة تقاسيم الوجوب فيه ، ومن راعى الاسم الإلهي رمضان فرّق بينه وبين غيره ، فإن غيره هو من الاسم الممسك لا من اسم رمضان ، والأسماء الإلهية وإن دلت على ذات واحدة فإنها تتميز في أنفسها من طريقين الواحد من اختلاف ألفاظها ، والثاني من اختلاف معانيها وإن تقاربت غاية القرب وتشابهت غاية الشبه ، فإنه لا بدّ فيها من فارق كالرحيم والرحمن . هذا في غاية الشبه وأسماء المقابلة في غاية البعد كالضار والنافع ، والمعز والمذل ، والمحيي والمميت فلا بدّ من مراعاة حكم ما تدل عليه من المعاني ، وبهذا يتميز الجاهل من العالم ، وما أتى الحق بها متعددة إلا لمراعاة ما تدل من المعاني ومراعاة قصد الحق تعالى في ذلك أولى من غيره ، فلا بدّ من التعيين لحصول الفائدة المطلوبة بذلك اللفظ المعين دون غيره من تركيبات الألفاظ التي هي الكلمات الإلهية ، ومن اعتبر حال المكلف وهو الذي فرق بين المسافر والحاضر ، فله في التفرقة وجه صحيح ، لأن الحكم يتبع الأحوال فيراعى المضطر وغير المضطر والمريض وغير المريض . اعتبار وقت النية في الصوم . الفجر علامة على طلوع الشمس فهو كالاسم الإلهي من حيث دلالته على المسمى به لا على المعنى الذي يتميز به عن غيره من الأسماء ، والقاصد للصوم قد يقصده اضطرارا واختيارا . والإنسان في علمه باللّه قد يكون صاحب نظر فكري ، أو صاحب شهود ، فمن كان علمه باللّه عن نظر في دليل فلا بدّ أن يطلب على الدليل الموصل له إلى المعرفة ، فهو بمنزلة من نوى قبل الفجر إلى طلوع الشمس والمعرفة باللّه واجبة كمعرفته بتوحيده في ألوهيته ، ومعرفة غير واجبة كمعرفته بنسبة الأسماء إليه التي تدل على معان ، فإنه لا يجب عليه النظر في تلك المعاني هل هي زائدة عليه أم لا ؟ فمثل هذه المعرفة لا يبالي متى قصدها هل بعد وصول الدليل بتوحيد الإله أو قبله ؟ وأما الواجب في الذمة فكالمعرفة باللّه من حيثما نسب الشرع في الكتاب والسنّة ، فإنه قد تعين بالدليل النظري أن هذا شرعه ، وهذا كلامه فوقع الإيمان به ، فحصل في الذمة فلا بدّ من القصد إليه من غير نظر إلى الدليل النظري لأن العلم النظري وهو الذي اعتبر فيه النية قبل الفجر ،