تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧
شرح
روى أصحاب السنن الأربعة ، واللفظ للترمذي عن أبي هريرة مرفوعا « من ذرعه القيء وهو صائم فليس عليه قضاء ومن استقاء عمدا فليقض » . وقال : حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث هشام بن حسان عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم إلا من حديث عيسى بن يونس . وقال البخاري : لا أراه محفوظا لهذا أعني للغرابة ولا يقدح في ذلك بعد تصديقه الراوي ، فإنه هو الشاذ المقبول ، وقد صححه الحاكم ، وابن حبان ، ورواه الدارقطني وقال : رواته كلهم ثقات ، ثم تابع عيسى بن يونس عن هشام حفص بن غياث رواه ابن ماجة ، ورواه الحاكم وسكت عليه ، ورواه مالك في الموطأ موقوفا على ابن عمر . ورواه النسائي من حديث الأوزاعي موقوفا على أبي هريرة ، ووقفه عبد الرزاق على أبي هريرة وعلي أيضا . واختلفت أصحاب الشافعي في سبب الفطر إذا تقيأ عمدا فالأصح أن نفس الاستقاءة مفطرة كالإنزال ، والثاني أن المفطر رجوع شيء مما خرج وإن قلّ فلو تقيأ منكوسا أو تحفظ فاستيقن أنه لم يرجع شيء إلى جوفه ففي فطره الوجهان . قال الإمام : فلو استقاء عمدا أو تحفظ جهده فغلبه القيء ورجع شيء . فإن قلنا الاستقاءة مفطرة بنفسها فهنا أولى ، وإلّا فهو كالمبالغة في المضمضة إذا سبق الماء إلى جوفه . وقال أصحابنا : جملة الكلام فيه أنه لا يخلو اما إن قاء عامدا أو ذرعه القيء وكل منهما لا يخلو إما أن يكون ملء الفم أو لا ، وكل من هذه الأقسام لا يخلو اما ان عاد هو بنفسه أو أعاده أو خرج ولم يعده ولا عاد بنفسه ، فإن ذرعه القيء وخرج لا يفطره قلّ أو كثر لإطلاق ما روينا . وإن عاد هو بنفسه وهو ذاكر للصوم إن كان ملء الفم فسد صومه عند أبي يوسف لأنه خارج حتى انتقضت به الطهارة ، وقد دخل وعند محمد لا يفسد وهو الصحيح لأنه لم يوجد منه صورة الفطر وهو الابتلاع ، وكذا معناه إذ لا يتغذى به ، فأبو يوسف يعتبر الخروج ومحمد يعتبر الصنع ، وإن أعاده أفطر بالإجماع لوجود الصنع عند محمد والخروج عند أبي يوسف ، وإن كان أقل من ملء الفم لا يفطر فإن عاد لا يفطره بالإجماع لعدم الخروج والصنع ، وإن أعاده فسد صومه عند محمد لوجود الصنع ، ولا يفسد عند أبي يوسف لعدم الخروج ، وإن استقاء عامدا إن كان ملء فيه فسد صومه بالإجماع فلا يتأتى فيه تفريع على قوله ، ولا يفطر عند أبي يوسف لعدم الخروج ، وصححه شارح الكنز ولكنه خلاف ظاهر الرواية أي من حيث الإطلاق ، ثم إن عاد بنفسه لم يفطر وإن أعاده ففيه روايتان وزفر مع محمد في أن قليله يفسد الصوم وهو جرى على أصله في انتقاض الطهارة ، وقولهم : إذا استقاء عمدا يخرج به ما إذا كان ناسيا لصومه فإنه لا يفسد به كغيره من المفطرات ، وهذا كله إذا كان القيء طعاما أو ماء أو مرة ، فإن كان بلغما فغير مفسد للصوم عند أبي حنيفة ومحمد خلافا لأبي يوسف إذا ملأ الفم بناء على قوله انه ناقض ، وإن قاء مرارا في مجلس واحد لزمه القضاء ، وإن كان في مجالس أو غدوة ثم نصف النهار ثم عشية لا يلزمه القضاء ولم يفصل في المبسوط في ظاهر الرواية بين ملء الفم وما دونه ، وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة فرق بينهما واللّه اعلم .