إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 353
الرابع : الإمساك عن الجماع وحده بتغييب الحشفة . وإن جامع ناسيا لم يفطر ، وإن بقاء الليل في جواز الأكل ، وروى بعض الأصحاب عن مالك وجوب القضاء في هذه الصورة ، وتردد ابن الصباغ في ثبوتها عنه ، ولو أكل في آخر النهار بالاجتهاد وقلنا لا يجوز الأكل بالاجتهاد كان كما لو أكل من غير يقين ولا اجتهاد . قال النووي في زيادات الروضة . والأكل هجوما بلا ظن حرام في آخر النهار قطعا وجائز في أوله . وقال المصنف في الوسيط : لا يجوز ، ومثله في التتمة وهو محمول على أنه ليس مباحا مستوي الطرفين ، بل الأولى تركه ، وقد صرح الماوردي والدارمي وخلائق بأنه لا يحرم على الشاك الأكل وغيره بلا خلاف في هذا لقوله تعالى : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ [ البقرة : 187 ] وصح عن ابن عباس كل ما شككت حتى يتبين لك ، واللّه أعلم . فصل [ لو أكل ناسيا ] ومن مسائل هذا الباب ما نقل أصحابنا : لو أكل ناسيا فقال له آخر : أنت صائم ولم يتذكر فأكل ثم تذكر أنه صائم فسد صومه عند أبي حنيفة وأبي يوسف لأنه أخبر بأن هذا الأكل حرام عليه ، وخبر الواحد في الديانات حجة . وقال زفر والحسن : لا يفسد لأنه ناس ، ولو رأى صائما يأكل ناسيا ورأى قوّة تمكنه أن يتم صومه بلا ضعف . المختار أنه يكره أن لا يخبره وإن كان بحال يضعف بالصوم ، ولو أكل يتقوى على سائر الطاعات يسعه أن لا يخبره ، ولو كان مخطئا أو مكرها أفطر لوصول المفطر في جوفه وهو القياس في الناسي ، إلا أنا تركنا بما رويناه فصار كما إذا أكره على أن لا يأكل هو بيده ، أو كمن أكل وهو يظن أن الفجر لم يطلع ، فإذا هو طالع والقياس على الناسي ممتنع لوجهين . أحدهما : أن النسيان غالب فلا يمكن الاحتراز عنه فيعذر ، وهذه الأشياء نادرة فلا يصح إلحاقها به ، والثاني أن النسيان من قبل من له الحق ، وهذه الأشياء من العباد فيفترقان كالمريض والمقيد إذا صليا قاعدين بحيث يجب القضاء على المقيد دون المريض ، وكذا النائم إذا صبّ في حلقه ما يفطر حكم المكره فيفطر واللّه أعلم . وكان أبو حنيفة أوّلا يقول في المكره على الجماع عليه القضاء والكفارة ، لأنه لا يكون إلا بانتشار الآلة ، وذلك إمارة الاختيار ثم رجع ، وقال : لا كفارة عليه وهو قولهما لأن فساد الصوم يتحقق بالإيلاج وهو مكره فيه ، مع أن ليس كل من انتشر آلته يجامع . وقال الرافعي : لو أوجر مكرها لم يفطر فلو أكره حتى فعل بنفسه ففيه قولان . أحدهما . وبه قال أحمد لا يفطر ، لأن حكم اختياره ساقط وأكله ليس منهيا عنه فأشبه الناسي ، والثاني : وبه قال أبو حنيفة يفطر لأنه أتى بضد الصوم ذاكرا له غايته أنه أتى له لدفع الضرر عن نفسه ، لكنه لا أثر له في دفع الفطر كما لو أكل أو شرب لدفع الجوع أو العطش ، وهذا أصح عند المصنف . ( الرابع : الإمساك عن الجماع وحدّه بتغييب الحشفة ) أي رأس الذكر وهو مبطل للصوم بالإجماع ، ( فإن جامع ناسيا ) للصوم فقد نقل المزني أنه ( لم يفطر ) . وقال النووي في الروضة :