تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 351

مساهمون:

ص٣٥١
بالغ في المضمضة فيفطر لأنه مقصر وهو الذي أردنا بقولنا : « عمدا » . فأما ذكر
شرح
المفطر إلى جوفه وإن كان لا يتغذى به كالتراب والحصى ونحو ذلك وجه الاستحسان ما بينا أنه لا يقدر على الامتناع عنه ، فصار كما إذا بقي في فيه بعد المضمضة ، ونظيره ما ذكره في الخزانة أن دموعه أو عرقه إذا دخل حلقه وهو قليل مثل قطرة أو قطرتين لا يفطر ، وإن كان أكثر بحيث يجد ملوحة في حلقه يفسده . واختلفوا في الثلج والمطر والأصح أنه يفسده لإمكان الامتناع عنه بأن تأويه خيمة أو سقف ، وهذا يقتضي أنه لو لم يقدر على ذلك بأن كان سائرا مسافرا أفسده ، ولو دخل فمه المطر فابتلعه لزمته الكفارة . ( أو ما سبق إلى جوفه في المضمضة فلا يفطر ) ، وكذا إذا استنشق فوصل الماء إلى دماغه ( إلا إذا بالغ في المضمضة فيفطر لأنه مقصر ، وهو الذي أردنا بقولنا عمدا ) . وقال الرافعي : إذا تمضمض فسبق الماء إلى جوفه أو استنشق فوصل الماء إلى دماغه ، فقد نقل المزني أنه يفطر ، وقال في اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى : أنه لا يفطر إلا أن يتعمد الازدراد ، وللأصحاب فيه طريقان . أصحهما أن المسألة على قولين : أحدهما وبه قال مالك وأبو حنيفة والمزني أنه يفطر لأنه وصل الماء إلى جوفه بفعله فإنه هو الذي أدخل الماء في فيه وأنفه ، والثاني : وبه قال أحمد وهو اختيار الربيع لا لأنه وصل بغير اختياره فأشبه غبار الطريق ، والثاني القطع بأنه لا يفطر حكاه المسعودي وغيره ، ثم من القائلين من حمل منقول المزني على ما إذا تعمد الازدراد ، ومنهم من حمله على ما إذا بالغ ، وحمل النص الثاني على ما إذا لم يبالغ ، ونفى الخلاف في الحالتين وإذا قلنا بطريقة القولين فما محلهما فيه ؟ ثلاثة طرق . أصحها أن القولين فيما إذا بالغ أما إذا لم يبالغ فلا يفطر بلا خلاف ، والفرق على الطريقين أن المبالغة منهي عنها ، وأصل المضمضة والاستنشاق محثوث عليه فلا تحسن مؤاخذته مما يتولد منه بغير اختياره ، والثالث : طرد القولين في الحالين ، وإذا ميزنا حالة المبالغة عن حالة الاقتصار على أصل المضمضة والاستنشاق حصل عند المبالغة قولان مرتبان كما ذكر في الوجيز ، وظاهر المذهب ما ذكرنا عند المبالغة الإفطار وعند عدم المبالغة الصحة ، ولا يخفى ان محل الكلام فيما إذا كان ذاكرا للصوم ، أما إذا كان ناسيا فلا يفطر بحال وسبق الماء عند غسل الفم لنجاسة كسبقه عند المضمضة ، والمبالغة ههنا للحاجة ينبغي أن يكون كالسبق في المضمضة بلا مبالغة ، ولو سبق الماء من غسله تبردا أو من المضمضة في الكرة الرابعة ، فقد قال في التهذيب : إن بالغ بطل صومه وإلا فهو مرتب على المضمضة ، وأولى بالإفطار لأنه غير مأمور به . قال النووي في زوائد الروضة : المختار في الرابعة الجزم بالإفطار كالمبالغة لأنها منهي عنها ، ولو جعل الماء في فيه لا لغرض وسبق ، فقيل : يفطر ، وقيل : بالقولين ، ولو مج ولم ينو صوما فتمضمض ولم يبالغ فسبق الماء إلى جوفه ، ثم نوى صوم تطوع صح على الأصح ، وقال أصحابنا ومالك : سبق الماء في المضمضة والاستنشاق إلى الحلق مفسد للصوم ، وسواء كان مبالغا فيهما أو لم يكن ، وقال أحمد : يفسد صومه إن لم يكن مبالغا فإن كان بالغ فالظاهر من مذهبه أنه يفطر على احتمال ، واللّه أعلم .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 351 | مرتضى الزبيدي