شرح
هؤلاء لا يكثرون كثرة غيرهم بعد عن النظر إذ لا يشترط اتحاد كمية المناط في الأصل والفرع ، فلا يلزم ثبوت الحرج في الفرع وهو المتأخر بقدر ثبوته في الأصل وهو المتقدم بل يكفي ثبوته في جنس الصائمين . كيف والواقع أنه لم يعتبر المصحح الحرج الزائد ولا ثبوته في أكثر الصائمين في الأصل ، وكذا يجب في الفرع ، وهذا لأن أكثر الصائمين يكونون مفيقين قريب الفجر فقوم لتهجدهم وقوم لسحورهم ، فلو لزمت النية قبل الفجر على وجه لا يتخلل المنافي بينها وبينه لم يلزم ذلك حرج في كل الصائمين ولا في أكثرهم ، بل فيمن لا يفيق إلا بعد الفجر وهم قليل بالنسبة إلى غيرهم بخلاف المبيتين قبله إذ يمكنهم تأخير النية إلى ما بعد استيفاء الحاجة من الأكل والجماع ، فتحصل بذلك نية سابقة لم يتخلل بينها وبين الشروع ما ينافي الصوم من غير حرج بهم ، فلما لم يجب ذلك علم أن المقصود التيسير بدفع الحرج من كل وجه وعن كل صائم ويلزم المطلوب من شرعيته المتأخرة .
فإن قيل : فمن أين اختص اعتبارها بوجودها في أكثر النهار وما رويتم لا يوجبه ؟ قلنا : لما كان ما رويناه واقعة حال لا عموم لها في جميع أجزاء النهار احتمل كون إجازة الصوم في تلك الواقعة لوجود النية فيها في أكثره بأن يكون أمره صلّى اللّه عليه وسلم الأسلمي بالنداء كان الباقي من النهار أكثر ، واحتمل كونها للتجويز من النهار مطلقا في الوجوب . فقلنا : بالاحتمال الأوّل لأنه أحوط خصوصا ومعنا نص يمنعها من النهار مطلقا وعضده المعنى ، وهو أن الأكثر من الشيء الواحد حكم الكل في كثير من موارد الفقه ، فعلى اعتبار هذا يلزم اعتبار كل النهار بلا نيّة . لو اكتفى بها في أقله فوجب الاعتبار الآخر ، وإنما اختص بالصوم فلم نجز مثله في الحج والصلاة لأنه ركن واحد ممتد ، فبالوجود في أكثره يعتبر قيامها في كله بخلافهما فإنهما أركان فيشترط قرانها بالعقد على أدائها وإلا خلت بعض الأركان عنها فلم يقع ذلك الركن عبادة ، واللّه الموفق .