إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 335
وإذا رؤي الهلال ببلدة ولم ير بأخرى وكان بينهما أقل من مرحلتين وجب الصوم على الكل ، وإن كان أكثر كان لكل بلدة حكمها ولا يتعدى الوجوب . ومركباتها بحرف العطف من أحد وعشرين إلى تسعة وعشرين ، وبغير حرف العطف من أحد عشر إلى تسعة عشر وحصر وجود الفردية في البسائط وهي الثلاثة وفي العقد وهي الثلاثون ، ثم تكرار الفرد لكمال التثليث الذي عنه يكون الإنتاج في ثلاث مواضع وهي الثلاثة في البسائط والثلاثة عشر في العدد الذي هو مركب بغير حرف عطف ، والثلاثة والعشرون بحرف العطف وانحصرت الأقسام ، ولما رأينا أن الروح يوجد فتكون الحياة ولا يكون هناك نقص ولا زيادة فلا تكون للنفس عين موجودة لها حكم كموت الجنين في بطن أمه بعد نفخ الروح فيه أو عند ولادته ، لذلك كان الشهر قد يوجد من تسعة وعشرين يوما ، فإذا علمت هذا فقد علمت حكمة مقدار الشهر العربي ، وإذا عددناه بغير سير الهلال ونوينا شهرا مطلقا في إيلاء أو نذر عملنا بالقدر الأقل في ذلك ولم نعمل بالأكثر ، فإنا قد حزنا بالأقل حد الشهر ففرغنا ، وإنما نعتبر القدر الأكثر في الموضع الذي شرع لنا أن نعتبره وذلك في الغيم على مذهب أو نعطي ذلك رؤية الهلال لقوله صلّى اللّه عليه وسلم « صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته » . فصل [ في اعتبار الشاهد والشاهدين ] في اعتبار الشاهد والشاهدين اختلفوا فيما يراه أهل اللّه من التجلي في الأسماء الإلهية هل يقف مع رؤيته أو يتوقف حتى يقوم له في ذلك شاهد من الشرع . قال الجنيد : علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة . وقال تعالى : أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ [ هود : 17 ] وهو صاحب الرؤية ويتلوه شاهد منه وهو صاحب الخبر والشاهد الواحد كتاب أو سنّة ، والشاهدان كتاب وسنّة وهو يتعذر الوقوف عليه ، ولا سيما عند من لم يتقدم له علم من الكتاب ولا من السنّة ، ولكن رأينا بعض الذي لقيناهم إذا أعطاهم الحق أمرا أعطاهم الشاهد على ذلك من الكتاب والسنّة أو من أحدهما ومتى لم يعط ذلك لم يحكم عليه ما رأى احتياطا ولا يرده ويتركه موقوفا ، والذي أعرفه من قول الجنيد أنه أراد أن يفرق بين ما يظهر لصاحب الخلوات والرياضات على غير طريق الشرع بما تقتضيه رياضات النفوس وبين ما يظهر لهم على الطريقة المشروعة بأن ذلك الظاهر له من عند اللّه ، فهذا معنى قول الجنيد علمنا هذا مقيد ومشيد بالكتاب والسنّة أي هو ينتجه عن عمل مشروع إلهي ليفرق بينه وبين ما يظهر لأرباب العقول ، والمعلوم واحد . والطريق مختلفة ، وصاحب الذوق يفرق بين الأمرين واللّه أعلم . ثم قال المصنف رحمه اللّه : ( وإذا رؤي الهلال ) أي هلال رمضان ( ببلدة ولم ير بأخرى ) فإن تقاربتا ( وكان بينهما أقل من مرحلتين ) فحكمهما حكم البلدة الواحدة ، وحينئذ ( وجب الصوم على الكل ) أي على كل من أهل البلدتين ( وإن ) تباعدتا بأن ( كانت المسافة بينهما أكثر من ذلك كان لكل بلدة حكمها ولا يتعدى الوجوب ) وفي ضبط البعد ثلاثة أوجه .