تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 325

مساهمون:

ص٣٢٥
بالنسبة إليه ، وإن كانت العبادات كلها له كما شرف البيت بالنسبة إلى نفسه والأرض كلها له لمعنيين . أحدهما : أن الصوم كف وترك وهو في نفسه سر ليس فيه عمل يشاهد ، وجميع أعمال الطاعات بمشهد من الخلق ومرأى ، والصوم لا يراه إلا اللّه عز وجل فإنه عمل في الباطن بالصبر المجرد .
شرح
( كما شرف البيت ) العتيق ( بالنسبة إلى نفسه والأرض كلها له ) أي فإن هذه الإضافة للتخصيص والتشريف كما يقال : بيت اللّه وناقة اللّه ومسجد اللّه تعالى وجميع المخلوقات للّه تعالى ، وهذا هو القول السابع في تفسير قوله « لي » نقله القاضي عياض ( لمعنيين : أحدهما : أن الصوم كف و ) إمساك وهو ( ترك ) الأكل والشرب ( وهو في نفسه سر ليس فيه عمل يشاهد ) وحال الممسك شبعا أو فاقة كحال الممسك تقربا ، وإنما القصد وما يبطنه القلب هو المؤثر في ذلك ، ( وجميع الطاعات ) كالصلاة والحج والزكاة أعمال بدنية ظاهرة ( بمشهد من الخلق ومرأى ) يمكن فيها الرياء والسمعة ، ( والصوم لا يراه إلا اللّه عز وجل ) فلا يمكن فيه الرياء والسمعة كما يمكن في غيره من الأعمال ، ( فإنه عمل في الباطن بالصبر المجرد ) ، وهو القول الثامن في تفسير قوله « لي » نقله المازري والقاضي ، وأشار إليه أبو عبيد حيث قال في معنى « وأنا أجزي به » أي أنا أتولى جزاءه إذ لا يظهر فتكتبه الحفظة إذ ليس من اعمال الجوارح الظاهرة وإنما هو نية وإمساك اه . وقد وقع التصريح بهذا المعنى فيما رواه ابن منيع ، والبيهقي ، وأبو نعيم من حديث أبي هريرة بلفظ « الصيام لا رياء فيه ، قال اللّه تعالى هو لي وأنا أجزي به يدع طعامه وشرابه من أجلي » . وفي كتاب الشريعة : الصوم هو الإمساك والرفعة . يقال : صام النهار إذا ارتفع ، قال امرؤ القيس :إذا صام النهار وهجرأي ارتفع ، ولما ارتفع الصوم عن سائر أعمال العبادات كلها في الدرجة سمي صوما ورفعة إلى نفي المثلية عنه كما سنذكره وسلبه الحق عن عباده وأضافه إليه سبحانه وجعل جزاء من اتصف به بيده من أنابته ، فقال « وأنا أجزي به » وألحقه بنفسه في نفي المثلية وهو في الحقيقة ترك لا عمل ، ونفي المثلية وصف سلبي فتفوت المناسبة بينه وبين اللّه تعالى ، قال تعالى في حق نفسه :لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ[ الشورى : 11 ] فنفى أن يكون له مثل فهو سبحانه لا مثل له . وخرج النسائي عن أبي أمامة : « أتيت النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقلت مرني بأمر آخذه عنك . قال : « عليك بالصوم » فإنه لا مثل له فنفى أن يماثل ومن عرف أنه وصف سلبي إذ هو ترك المفطرات . علم قطعا أنه لا مثل له إذ لا عين له تتصف بالوجود الذي يعقل ، ولهذا قال اللّه تعالى : إن الصوم