وكيع في قوله تعالى :
كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ
[ الحاقة : 24 ] هي أيام الصيام إذ تركوا فيها الأكل والشرب ، وقد جمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في رتبة المباهاة بين الزهد في الدنيا وبين الصوم فقال : « إن اللّه تعالى يباهي ملائكته بالشاب العابد فيقول :
شرح
أبي هريرة قال ، قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم وهو يبشر أصحابه : « قد جاءكم رمضان شهر مبارك افترض عليكم صيامه تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب الجحيم وتغل فيه الشياطين » .
وحدثنا ابن فضيل ، عن عطاء بن السائب ، عن عرفجة قال : كنت عند عتبة بن فرقة ، وهو يحدثنا عن فضل رمضان ، فدخل علينا رجل من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلم فسكت عنه وكأنه هابه ، فلما جلس قال له عتبة : يا أبا فلان حدثنا بما سمعت من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في رمضان . قال :
سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول « تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب النار وتصفد فيه الشياطين وينادي مناد كل ليلة يا باغي الخير هلم ويا باغي الشر أقصر » .
قلت : وهكذا رواه النسائي بهذه الزيادة عن عرفجة ، عن رجل من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلم .
وروى ابن أبي شيبة أيضا من حديث أنس مرفوعا « هذا رمضان قد جاء تفتح فيه أبواب الجنان وتغلق فيه أبواب النار وتغل فيه الشياطين » .
وفي كتاب الشريعة : لما كان مجيء رمضان سببا في الشروع في الصوم فتح اللّه أبواب الجنة والجنة الستر ، فدخل الصوم في عمل مستور لا يعلم منه إلا اللّه تعالى لأنه ترك وليس بعمل وجودي فيظهر للبصر أو يعمل بالجوارح ، وغلق اللّه أبواب النار فإذا غلقت أبواب النار عاد نفسها عليها فتضاعف حرها وأكل بعضها بعضا ، كذلك الصائم في حكم طبيعته إذا صام غلق أبواب نار طبيعته ، فوجد للصوم حرارة زائدة لعدم استعمال المرطبات ، ووجد ألم ذلك في باطنه وتضاعفت شهوته للطعام الذي يتوهم الراحة بتحصيله فتتقوى نار شهوته بغلق باب تناول الأطعمة والأشربة . وصفدت الشياطين : وهي صفة البعد فكان الصائم قريبا من اللّه بالصفة الصمدانية فإنه في عبادة لا مثل لها فقرب بها من صفة ليس كمثله شيء ، ومن كانت هذه صفته فقد صفدت الشياطين في حقه .
( وقال وكيع ) بن الجراح بن سفيان الرؤاسي أحد الأعلام ، عن الأعمش وهشام عن عروة . وعنه أبو بكر بن أبي شيبة وأحمد وإسحاق ، ولد سنة 128 ومات بفيد يوم عاشوراء سنة 197 ( في قوله تعالى :كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً )الخطاب لأهل الجنة( بِما أَسْلَفْتُمْ )أي قدمتم .( فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ )أي الماضية . قال : ( هي أيام الصيام ) . أي في الدنيا ( إذ تركوا فيها ) أي في تلك الأيام ( الأكل والشرب ، وقد جمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في رتبة المباهاة ) أي المفاخرة ( بين الزهد في الدنيا ) أي التقلل منها ( وبين الصوم فقال « إن اللّه تعالى يباهي ملائكته بالشاب العابد ) من بني آدم يظهر لهم فضله ويعرفهم أنهم من أهل الحظوة لديه ،