يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ
[ الرعد : 11 ] وإنما التغيير تكثير الشهوات فهي مرتع الشياطين ومرعاهم ، فما دامت مخصبة لم ينقطع ترددهم وما داموا يترددون لم ينكشف للعبد جلال اللّه سبحانه وكان محجوبا عن لقائه . وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماوات » . فمن هذا الوجه صار الصوم باب العبادة وصار جنّة ، وإذا عظمت فضيلته إلى هذا الحد فلا بدّ من بيان شروطه الظاهرة والباطنة بذكر أركانه وسننه وشروطه الباطنة ، ونبين ذلك بثلاثة فصول .
شرح
كل ما تشتهيه وتستلذه ، ( فهي ) أي الشهوات ( مرتع الشياطين ومرعاهم ، فما دامت ) الشهوات ( مخصبة ) المرعى ( لم ينقطع تردده إليها ) ، فقد نقل صاحب العوارف عن بعضهم أن في نفس ابن آدم ألف عضو من الشر كلها في كف الشيطان فيتعلق بها ، فإذا جوع بطنه وأخذ حلقه وروض نفسه ويبس كل عضو واحترق بنار الجوع فر الشيطان من ظله ، وإذا أشبع بطنه وترك حلقه في لذائذ الشهوات فقد رطب أعضاءه وأمكره الشيطان والشبع نهر في النفس ترده الشياطين ، والجوع نهر في الروح ترده الملائكة . وقال ذو النون : ما أكلت حتى شبعت ولا شربت حتى رويت إلا عصيت اللّه تعالى أو هممت بمعصية ( وما داموا يترددون ) إلى تلك المراعي ( لم ينكشف للعبد جلال اللّه تعالى ) وعظمته ( وكان محجوبا عن لقائه ) بعيدا عن رضاه ، مطرودا عن حماه . ( و ) لذا ( قال صلّى اللّه عليه وسلم : « لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماء » ) . قال العراقي : رواه أحمد من حديث أبي هريرة بنحوه اه .
والمراد بملكوت السماء عالم الغيب المختص ( فمن هذا الوجه صار الصوم باب العبادة ) الذي يدخل منه إليها ( وصار جنة ) واقية من الأعداء الظاهرة والباطنة .
أخرج النسائي من حديث معاذ « الصوم جنة » .
وأخرج البيهقي من حديث عثمان بن أبي العاص « الصوم جنة من عذاب اللّه » .
وعند الطبراني في الكبير بلفظ « الصوم جنة يستجن بها العبد من النار » .
وعند أحمد والنسائي من حديث أبي هريرة « الصيام جنة » .
وعندهما والنسائي ، وأبي بكر بن أبي شيبة من حديث عثمان بن أبي العاص « الصيام جنة من النار كجنة أحدكم من القتال » .
وعند أحمد والبيهقي من حديث أبي هريرة : « الصيام جنة وحصن حصين من النار » .
وعند البيهقي من حديث جابر « الصيام جنة حصينة من النار » .
وعند الطبراني في الأوسط « الصيام جنة ما لم يخرقها بكذب أو غيبة » .
( وإذا عظمت فضيلته إلى هذا الحد فلا بد من بيان شروطه الظاهرة والباطنة بذكر