تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 326

مساهمون:

ص٣٢٦
والثاني : أنه قهر لعدوّ اللّه عز وجل ، فإن وسيلة الشيطان لعنه اللّه الشهوات وإنما تقوى الشهوات بالأكل والشرب ، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم : « إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع » ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم لعائشة رضي اللّه عنها : « داومي قرع باب الجنة ، قالت : بما ذا ؟ قال صلّى اللّه عليه وسلم : بالجوع » . وسيأتي فضل الجوع في
شرح
له ، فهو في الحقيقة لا عبادة ولا عمل ، واسم العمل إذا أطلق عليه تجوّز ، ولا يقال في الصوم ليس كمثله شيء ، فإن الشيء أمر ثبوتي أو وجودي والصوم ترك فهو معقول عدمي ونعت سلبي فهو لا مثل له لا أنه ليس كمثله شيء ، فهذا الفرق بين نعت الحق في نفي المثلية وبين نعت الصوم بها اه . ( والثاني ) : من المعنيين ( أنه ) أي الصوم ( قهر لعدو اللّه ) تعالى ودفاع لفخوخه ومصائده ( فإن وسيلة الشيطان لعنه اللّه ) التي يتوسل بها في خداع بني آدم ( الشهوات ) النفسية ( وإنما تقوى ) تلك الشهوات ( بالأكل والشرب ) وبهما تتقوى شهوة الجماع ، ( ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم « إن الشيطان ) أي كيده ( ليجري من ابن آدم ) أي فيه ( مجرى الدم ) في العروق المشتملة على جميع البدن . قال المناوي : ومجرى إما مصدر أي يجري مثل جريان الدم في أنه لا يحس بجريه كالدم في الأعضاء ، ووجه الشبه شدة الاتصال فهو كناية عن شدة تمكنه من الوسوسة ، أو ظرف ليجري ومن الإنسان حال منه أي يجري في مجرى الدم كائنا من الإنسان ، أو بدل بعض من الإنسان أي يجري في الإنسان حيث يجري فيه الدم . قال العراقي : هو متفق عليه من حديث صفية دون قوله : ( فضيقوا مجاريه بالجوع » ) اه . قلت : وذكره المصنف أيضا بهذه الزيادة مرسلا في شرح عجائب القلب وهو في كتاب الشريعة بلفظ « فسدوا مجاريه بالجوع والعطش » اه . وأنا أظن أن هذه الزيادة وقعت تفسيرا للحديث من بعض رواته فألحقها به من روى عنه . وأما الجملة الأولى منه ، فأخرجها الشيخان ، وأبو داود وابن ماجة ، وأول الحديث « أنه صلّى اللّه عليه وسلم انطلق مع صفية فمر به رجلان من الأنصار فدعاهما فقال : إنها صفية . قالا : فسبحان اللّه » فذكره . وأخرج الشيخان أيضا ، وأحمد ، وأبو داود من حديث أنس بن مالك . وقد تقدم لهذا الحديث ذكر في كتاب العلم ، ونقل صاحب العوارف عن بعضهم : أنه ينهزم الشيطان من جائع نائم فكيف إذا كان قائما ويعانق شبعانا قائما فكيف إذا كان نائما ؟ . ( وكذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم لعائشة رضي اللّه عنها : « داومي قرع باب الجنة . قالت : بما ذا ؟ قال : بالجوع » ) قال العراقي : لم أجده أصلا اه .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 326 | مرتضى الزبيدي