شرح
يصبح عطشانا وفي البحر فمهالثالثة : اختلف في معنى كون هذا الخلوف أطيب من ريح المسك بعد الاتفاق على أنه سبحانه منزه عن استطابة الروائح الطيبة واستقذار الروائح الكريهة ، فإن ذلك من صفات الحيوان الذي له طبائع يميل إلى شيء فيستطيبه وينفر من شيء فيستقذره على أقوال .
أحدها : أنه مجاز واستعارة لأنه جرت عادتنا بتقريب الروائح الطيبة منا ، فاستعير ذلك في الصوم لتقريبه من اللّه تعالى . قال المازري : فيكون المعنى أن خلوف فم الصائم أطيب عند اللّه من ريح المسك أي عندكم أي يقرب إليه أكثر من تقريب المسك إليكم ، وذكر ابن عبد البر نحوه .
الثاني : أن معناه أن اللّه تعالى يجزيه في الآخرة ، حتى تكون نكهته أطيب من ريح المسك كما قال في المكلوم في سبيل اللّه الريح ريح مسك . حكاه القاضي عياض .
الثالث : أن المعنى أن صاحب الخلوف ينال من الثواب ما هو أفضل من ريح المسك عندنا ، لا سيما بالإضافة إلى الخلوف وهما ضدّان حكاه القاضي عياض أيضا .
الرابع : أن المعنى أنه يعتد برائحة الخلوف ويدخر على ما هي عليه أكثر مما يعتد بريح المسك ، وإن كانت عندنا نحن بخلافه حكاه القاضي أيضا .
الخامس : أن الخلوف أكثر ثوابا من المسك حيث ندب إليه في الجمع والأعياد ومجالس الحديث والذكر وسائر مجامع الخير . قاله الداودي وأبو بكر بن العربي والقرطبي ، وقال النووي :
وهو الأصح .
السادس : قال صاحب المفهم : يحتمل أن يكون ذلك في حق الملائكة يستطيبون ريح الخلوف أكثر مما يستطيبون ريح المسك . وقال الشيخ الأكبر قدس سره في كتاب الشريعة : خلوف فم الصائم رائحة فمه التي لا توجد إلا مع التنفس ، وكل نفس الصائم أطيب عند اللّه جاء بالاسم الجامع المنعوت بالأسماء كلها . وقوله : من ريح المسك فإن ريح المسك أمر وجودي تدركه المشام وتلذ به ، فجعل الخلوف عند اللّه أطيب منه لأن نسبة إدراك الروائح إلى اللّه لا يشبه إدراك الروائح بالمشام فهو خلوف عندنا ، وعنده هذا الخلوف فوق طيب المسك فإنه روح موصوف لا مثل لما وصف به ولا تشبه الرائحة الرائحة ، فإن رائحة الصائم عن تنفس ورائحة المسك لا عن تنفس من المسك ، ولما كانت الروائح الكريهة تنفر عنها الأمزجة الطبيعية من إنسان وملك لما يجدونه من التأذي في ذلك وذلك لعدم المناسبة ، فإن وجه الحق في الروائح الكريهة لا يدركه إلا اللّه خاصة لا ملك ولا غيره ، ولهذا قال : عند اللّه ، فإن الصائم أيضا في كونه إنسانا يكره خلوف الصوم من غيره ، وهل يتحقق أحد من المخلوقين وقتا ما أو في مشهد ما فيدرك الروائح الخبيثة طيبة على الإطلاق فما سمعنا بهذا . وقولي على الإطلاق من أجل أن بعض الأمزجة يتأذى بريح المسك ، ولا سيما المحرور المزاج ، وما يتأذى منه فليس بطيب عند صاحب ذلك المزاج ، فلهذا