تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ
[ الزمر : 10 ] والصوم نصف الصبر فقد جاوز ثوابه قانون التقدير والحساب ، وناهيك في معرفة فضله قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند اللّه من ريح المسك يقول اللّه عز وجل إنما يذر شهوته وطعامه وشرابه لأجلي فالصوم لي وأنا أجزي به » . وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « للجنة باب يقال له الريان لا
شرح
ثم قال المصنف رحمه اللّه تعالى : ( وقد قال اللّه تعالى إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) [ الزمر : 10 ] أي الكافون عن شهوات نفوسهم يوفى لهم الأجر ما لا يحيطه العد والحسبان ، ( والصوم نصف الصبر ) على ما تقدم تقريره ، ( فقد جاوز ثوابه قانون التقدير والحساب ) أي التضعيف في جزائه غير مقدر بقانون ، فمعنى « لي » أي أنا المفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته ، كما قال : « وأنا أجزي به » وغيره من الحسنات اطلعت على مقادير أجورها ، كما قال « كل حسنة بعشر أمثالها » الخ . والصوم موكول إلى سعة جوده وغيب علمه ، كما قالإِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَالآية . وعلى هذا الوجه الاستثناء فيه من التضعيف ، وهو القول الخامس نقله القاضي عياض عن أبي عبيد ، واعترض أبو عباس القرطبي على هذا الوجه بأن في الحديث أن صوم اليوم بعشرة وأن صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر . فهذه نصوص في إظهار التضعيف فبطل هذا الوجه . ( وناهيك في معرفة فضله قوله صلّى اللّه عليه وسلم « والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند اللّه من ريح المسك . يقول ) اللّه ( تعالى : إنما يذر شهوته وطعامه وشرابه من أجلي والصوم لي وأنا أجزي به » ) أخرجه الشيخان وهو بعض حديث من الذي تقدم ، وفي رواية لهما : « والذي نفس محمد بيده » وفي لفظ لمسلم والنسائي « أطيب عند اللّه يوم القيامة » . وليس في شيء من طرق البخاري يوم القيامة ، ولمسلم بعد قوله « وأنا أجزي به يدع شهوته وطعامه من أجلي » ولمسلم أيضا « ولخلوف فيه أطيب عند اللّه من ريح المسك » . وفي رواية همام عن أبي هريرة : « والذي نفس محمد بيده إن خلوف فم الصائم أطيب عند اللّه من ريح المسك يذر شهوته وطعامه وشرابه من جرائي فالصيام لي وأنا أجزي به » وفي الحديث فوائد . الأولى : الخلوف : بالضم المعروف في كتب اللغة والغريب ، وقال في المشارق : كذا قيدناه عن المتقنين وأكثر المحدثين يروونه بالفتح وهو خطأ عند أهل العربية ، وبالوجهين ضبطناه عن القابسي . وقال في الإكمال : هكذا الرواية الصحيحة بالضم ، وكثير من الشيوخ يروونه بالفتح وهو خطأ . وحكى عن القابسي الوجهين ونسبه إلى أهل المشرق ، وصوّب النووي في شرح مسلم الضم ، وهو الذي ذكره الخطابي وغيره ، وهو ما يخلف بعد الطعام في الفم من ريح كريهة بخلاء المعدة من الطعام . الثانية : فيه رد على أبي علي الفارسي في قوله : إن ثبوت الميم في الفم خاص بضرورة الشعر فإنها تثبت في قوله : فم الصائم في الاختبار ومن ثبوتها مع الإضافة أيضا قول الشاعر :
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 318 | مرتضى الزبيدي