تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
شرح
وحديث معاذ ، رواه الطبراني في الكبير بلفظ « ما من عمل آدمي أنجى له من عذاب اللّه من ذكر اللّه . قالوا : ولا الجهاد في سبيل اللّه ؟ قال : لا ، إلا أن تضرب بسيفك حتى ينقطع » . ثلاث مرار . الثالثة : اختلف في هذا الاستثناء ، فقيل : من التضعيف كما يومىء إليه سياق المصنف الآتي بعد هذا ، وقيل : من العمل ويؤيده رواية أبي صالح عن أبي هريرة « كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به » وبه يظهر معنى قوله « لي » أي ليس للصائم فيه حظ وهو أحد الوجوه في تفسيره نقله القاضي عن الخطابي . الرابعة : اختلفوا في قوله « لي وأنا أجزي به » مع كون العبادات كلها له تعالى على أقوال . منها : ما أشار إليه المصنف في تضاعيف كلامه تلويحا وتصريحا كما ستأتي الإشارة إليه . ومنها : ما تقدم عن الخطابي قريبا . ومنها : أن الاستغناء عن الطعام والشراب من صفات اللّه تعالى فكأنه يتقرب إلى اللّه بشبه صفة من صفاته وإن كان تعالى لا شبه له في صفاته نقله القاضي ، وأشار إليه الشيخ الأكبر قدس سره بقوله : ولما كان العبد موصوفا بأنه ذو صوم ، وأنه الصائم ثم بعد إثبات الصوم له سلبه الحق عنه وأضافه إلى نفسه فقال : « إلا الصيام فإنه لي » أي صفة الصمدانية وهي التنزيه عن الغذاء ليس الا لي ، وإن وصفتك به فإنما وصفتك باعتبار تقييد ما من تقييدات التنزيه لا بإطلاق التنزيه الذي ينبغي لجلالي فقلت : « وأنا أجزي به » فكأن الحق جزاء الصوم للصائم . ومنها : قيل سبب إضافته إليه تعالى أنه لم يعبد به أحد سواه فلم تعظم الكفار في عصر من الأعصار معبودا لهم بالصيام ، وإن كانوا يعظمونه بصورة الصلاة والسجود والصدقة والذكر وغير ذلك حكاه النووي في شرح مسلم . قال العراقي في شرح الترمذي : ونقضه بعضهم بأرباب الاستخدامات فإنهم يصومون للكواكب . قال : وليس هذا بنقض صحيح ، لأن أرباب الاستخدامات لا يعتقدون أن الكواكب آلهة ، وإنما يقولون إنها فعالة بنفسها وإن كانت عندهم مخلوقة . ومنها : أن معنى هذه الإضافة أن سائر العبادات يوفى منها ما على العبد من الحقوق إلا الصيام فإنه يبقى موفرا لصاحبه لا يوفى منه حق ، وقد ورد ذلك في حديث . قال أبو العباس القرطبي : وقد كنت استحسنته إلى أن وجدت حديثا فيه ذكر للصوم في جملة الأعمال المذكورة للأخذ منها ، فإنه قال فيه « المفلس الذي يأتي يوم القيامة بصلاة وصدقة وصيام ويأتي وقد شتم هذا » الحديث قال : وهذا يدل على أن الصيام يؤخذ كسائر الأعمال اه . قال العراقي ، قلت : إذا صحح ذلك الاستثناء فهو مقدم على هذا العموم فيجب الأخذ به واللّه أعلم . فهذا أربعة أقوال مع قول الخطابي .